هآرتس

ميرون بنفستي

لم يكد يمر اسبوعان على نَشر قرار محكمة العدل العليا الذي يقضي بسلب الفلسطينيين حقهم في لمّ الشمل، حتى صدر قرار ينص على طرد اعضاء برلمان مقدسيين ينتمون الى حماس من بيوتهم اذا لم يستقيلوا في غضون ثلاثين يوما. سيجد المشككون صلة بين القرارين وسيتسآءلون ما إذا كانت الحكومة تُجرب عن وعي قدرة الجمهور والجهاز القضائي على احتمال مظالم تلامس حد العنصرية، كاعداد لخطوات أشد قساوة؟ وبحسب الردود حتى الآن، لم يُسمع طلب حازم ـ الى هذه اللحظة! وتستطيع الحكومة أن تواصل طريقها؛ فالذريعة الأمنية يجري استخدامها كورقة تين مجدية حيال النقد في الداخل، بينما يمكن دائما رفض النقد من الخارج باعتباره تصرفا معاديا للسامية. للوهلة الأولى، لا توجد صلة بين منع لم الشمل وبين التهديد بالطرد؛ لكن الأمرين يتصلان بالتصور الأساسي في شأن مكانة الفلسطينيين في وطنهم: ليس صدفة أنهما على صلة بمجال "الدخول إلى إسرائيل"، منعه ورفضه. الاسرائيليون، أبناء المهاجرين، الذين يفصل في أحسن الاحوال جيل واحد بينهم وبين مكانة لاجئين، مُقتلعين ومطرودين، يفرضون على الفلسطيني مكانة الأجنبي في ارض ليست له بحيث يجب عليه أن يحارب من اجل حقه في العيش في بيته وهو مُعرض لأن يُحكم عليه بالطرد، أو بحظر "دخوله" لأنه "غير منتمٍ". مرت سنون غير كثيرة منذ حارب الاستيطان اليهودي لنيل شرعيته واضطر الى أن يدافع عن نفسه في وجه الادعاء بأنه يجمع المهاجرين الذين يسيطرون على ارض ليست لهم، الى أن انقلبت الأمور رأسا على عقب وأصبح الشعب الفلسطيني هو الذي يضطر الى النضال عن كونه جماعة شرعية في وطنها، وليست جماعة من الاجانب يدخلون ارضا ليست لهم وليسوا في جوهر الأمر سوى عصابات ارهابية. الفلسطينيون الذين يطلبون لم شمل عائلاتهم والحصول على سكن دائم في اسرائيل يُرفضون لانهم اجانب، ولأن مكوثهم "يُغير وجه المجتمع الاسرائيلي". لكن اعضاء البرلمان المقدسيين، مثل جميع سكان القدس الفلسطينيين، لم يطلبوا يوما الحصول على مكانة المقيم الدائم؛ بل أنه جرى فرض هذا الواقع عليهم. في 1967 احتلت اسرائيل شرقي القدس وطلبت ضم الأرض من غير أن تضم سكانها. المناورة القضائية التي اختُرعت آنذاك فرضت على نحو من 70 ألف عربي من شرقي القدس مكانة "مقيم دائم"، وكأنهم كانوا مهاجرين جددا لم يحصلوا على الجنسية. بيد أنه في هذه الحالة ليس العرب هم الذين هاجروا الى اسرائيل، بل اسرائيل هي التي هاجرت اليهم. في الظروف التي سادت آنذاك كان ذلك توجها ليبراليا (برغم أنه معارض للقانون الدولي) لأن الفلسطينيين من جهة لم يُسلبوا مكانتهم كمواطني الاردن ـ والتي كانت مهمة عندهم لكون المملكة الاردنية مركزهم الاقتصادي، والاداري، والعائلي والثقافي، ومن جهة اخرى منحتهم "المكانة الدائمة" الحق في الاستمتاع بدولة الرفاه الاسرائيلية، وبحرية التنقل وحرية تعبير عن الرأي أوسع نسبيا مما ساد المناطق المحتلة. المحتلون الاسرائيليون لم يفعلوا ذلك من باب الاحسان وفعل الخير بل لأن بديل ذلك هو منح المواطنة الاسرائيلية كما حصل مع عرب المثلث الذين ضُموا في عام 1949، وهذا البديل كان اسوأ؛ أما إبقاؤهم بغير مكانة في اسرائيل يتناقض مع تبجحات "توحيد المدينة" وكان سيخلد الاحتلال. لهذا فان تبجح وزير الداخلية، بأنه يتفضل ويدفع تأمينا وطنيا ومخصصات اولاد وتأمينا صحيا، هو تبجح فارغ متعالٍ. ذلك لأن هذه التسوية، وعمرها نحو اربعين سنة، أتاحت تحديدا لأناس مثل ايهود اولمرت وروني بار أون أن يتفاخرا بـ"توحيد القدس" وأن ينددا ايضاً "باليساريين الذين أهملوا شرقي القدس لانهم أرادوا تقسيمها". يثور شك، في أن التأكيد على سلب الإقامة الدائمة (وسلب رزمة الحقوق التي رافقتها) يُعد الارض لخطوات مشابهة تتعلق بآلاف من بين السكان الفلسطينيين الـ230 ألفا الذين سُجنوا في الجانب الغربي من سور الفصل. اذا كان انتخاب شخص في انتخابات ديمقراطية وعلى حسب برنامج انتخابي نُشر يمكن أن يكون سببا لسلبه "المكانة الدائمة"، الذي يعني طرده عن بيته، واذا كان تعريف كل فلسطيني أنه "اجنبي" و"من رعايا العدو ويمثل جماعة خطر" يسلبانه حقه في "المكانة الدائمة" ـ فما هو معنى ذلك فيما يتعلق بسكان شرقي القدس؟ هل هذه هي الرسالة التي تريد الحكومة ارسالها ـ نحن قادرون على سلب حق الإقامة في القدس ـ والذي يعني الطرد أو سلب الحقوق المكتسبة والاجراءات السائدة منذ اربعين سنة تقريبا؟ وما زالوا يشعرون بالصدمة لتزايد الاحتجاج خارج البلاد، الذي يندد باسرائيل كدولة "أبارتهايد" ( تمييز عنصري). إن من يخطط لطرد محمد أبو طير من بيته يكسب بحق التنديد والبُغض.