هناك منطق الثورة وهناك منطق الدولة. في كلّ مرّة يصطدم المنطقان، يكون الخاسر الأوّل هو الدولة. وإذا كان لا بدّ من الأتيان بدليل على ذلك، يمكن العودة الى الأحداث التي شهدها لبنان في أواخر الستّينات من القرن الماضي والتي يبدو أنها لا تزال مستمرة الى الآن بعدما قرّر النظام السوري بدعم إيراني هذه المرّة أستخدام الألغام التي زرعها نظام الوصاية طوال سنوات في البلد الصغير بهدف ابقائه ضحيّة التصادم بين منطقي الثورة والدولة.

لو لم يكن الأمر على هذا النحو، لما كانت في لبنان مشكلة اسمها سلاح "حزب الله" بعد العام 2000، ولما كانت هناك مشكلة اسمها السلاح الفلسطيني داخل المخيّمات وخارجها وهو سلاح لا يخدم في النهاية سوى إسرائيل التي سعت دائماً الى ابقاء لبنان "ساحة". ظهرت النيات الإسرائيلية باكراً وبوضوح عندما أشترطت الدولة اليهودية على الجانب الأميركي الذي أعطى في العام 1976 الضوء الأخضر لدخول القوات السورية الى لبنان، عدم تجاوز السوريين جسر نهر الأولي في جنوب لبنان. كانت حجة إسرائيل وقتذاك أنها في حاجة بين وقت وآخر الى تبادل المناوشات مع الفدائيين الفلسطينيين في جنوب لبنان. ماذا يعني ذلك؟ هل يعني شيئاً آخر غير أن عدم وجود استقرار في جنوب لبنان وبقاءه خارج سيطرة الدولة اللبنانية جزء من الاستراتيجية الإسرائيلية؟

كانت الخطة التي وضعها الدكتور هنري كيسينجر وقتذاك تقضي بأن تعمل القوات السورية على احتواء الوضع في لبنان وذلك عبر تمكين النظام السوري من وضع يده على قوّات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان. واستناداً الى ديبلوماسي أميركي رافق دين براون، مبعوث كيسينجر الى لبنان أواخر العام 1975، لم يكن لدى وزير الخارجية الأميركي في حينه سوى همّ واحد يتلخص بالحؤول دون تحولّ النزاع اللبناني الى نزاع أقليمي.

كرّست الحرب اللبنانية التي أستمرت حتى العام 1990 لبنان "ساحة" للنزاعات الأقليمية أحياناً وللتجاذبات الأقليمية في أحيان أخرى، وكانت إسرائيل على استعداد تام في كل مرة تسنح لها الفرصة للقيام بالمطلوب منها لتأكيد أن لبنان، خصوصاً الجنوب، منطقة خارجة عن سلطة الدولة اللبنانية. استخدمت وجود المنظمات الفلسطينية المسلّحة حتى العام 1982، وها هي تستعين بالوجود المسلّح لـ"حزب الله" والسلاح الفلسطيني الذي لا مبرر له في هذه المرحلة. الأكيد أن إسرائيل لم تنزعج من أطلاق صواريخ "مجهولة" من جنوب لبنان على قاعدة عسكرية لها في منطقة صفد داخل فلسطين المحتلّة. ربما أفتعلت إسرائيل الجريمة التي وقعت في صيدا، وذهب ضحيتها الأخوان مجذوب وهما مواطنان لبنانيان يعملان مع "الجهاد الأسلامي"، كي يكون ردٌّ بالصواريخ وكي تعرض عضلاتها في اليوم التالي في البقاع والناعمة والجنوب بهدف واحد وحيد هو ابلاغ العالم أنّ لا وجود لدولة في لبنان.

منذ التوصل الى اتفاق القاهرة في العام 1969، أي منذ سبعة وثلاثين عاماً ولبنان يعاني من المشكلة ذاتها التي تتلخّص بمنطق الثورة في مواجهة منطق الدولة. المحزن في هذه الأيام أن هناك لبنانيين يصرّون على عدم الأستفادة من مآسي الماضي وعلى تكرار هذه الأخطاء رافضين الاعتراف بأنه لا يمكن الدعوة الى احياء مؤسسات الدولة والعمل في الوقت ذاته على تكريس الجنوب اللبناني جبهة مفتوحة لعمليات أقل ما يمكن أن توصف به أنها لا تصبّ في مصلحة البلد.

أنّه منطق اللامنطق يستخدم لتقويض مؤسسات الدولة اللبنانية على رأسها الجيش الوطني الذي صار الجيش الوحيد في العالم الذي عليه قبول التنازل عن سلطته على الأرض اللبنانية، بصفة كونه السلاح الشرعي الوحيد في البلد، لمصلحة قوّات غير نظامية لديها أجندة خاصة بها لا علاقة لها بالمصلحة اللبنانية لا من قريب ولا من بعيد.

في النهاية، كلّ ما يمكن قوله أن لبنان لن يتمكّن مرة أخرى من الأستفادة من الفورة النفطية الجديدة في الخليج، تماماً كما حصل غي منتصف السبعينات من القرن الماضي، وذلك بسسبب وجود من يريد فرض منطق الثورة على منطق الدولة من دون التوقف برهة والتساؤل ولو مرّة واحدة: لماذا على البلد الصغير دفع كلّ هذا الثمن؟ هل يعتقد النظام السوري أنه سيستفيد من إلحاق كلّ هذا الضرر بلبنان؟ اليس هناك في دمشق من يستطيع التفكير بطريقة مختلفة تأخذ في الأعتبار أن سوريا وشعبها سيكونان أكبر المستفيدين من انتعاش اقتصادي في لبنان وأن مثل هذا الانتعاش الذي سيصب في مصلحة الشعبين والبلدين الشقيقين يعتبر الردّ الأفضل على المخططات الإسرائيلية؟ يفترض في الذين يراهنون على المواجهة بين منطقي الثورة والدولة لإبقاء لبنان في غرفة العناية الفائقة أن يتذكّروا باستمرار أن هذه الأستراتيجية تؤذي لبنان، لكنّها ترتدّ في النهاية على الذين يستخدمونها. والدليل على ذلك أن لبنان، على الرغم من كلّ ما تعرّض له ما زال حياً يرزق وأن مؤسسات القطاع الخاص فيه لا تزال تعمل. المؤسف أن لا أصوات عربية ترتفع عالياً وتقول أنه آن أوان وقف هذه اللعبة التي تدور على أرض لبنان والتي لا تخدم سوى إسرائيل.