باريس : تمنع السرية الكبيرة التي يتحلى بها المحقق الدولي في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري القاضي سيرج برامرتز، حتى الآن معرفة الكثير مما توصل اليه في تحقيقاته، ولكن مصادر غربية مطلعة على ملف اغتيال الحريري، تشير الى أن <لا اختراقات> منتظرة في التقرير المقبل، وأن المسؤول الدولي سيطلب الاستمرار في العمل قبل تسريب أية معلومات او نتائج حاسمة، وقد يقول في افضل الأحوال ان التحقيق يتقدم.

ويترافق ذلك مع اتجاه دولي في الوقت الراهن، يحبذ التركيز على التطورات المتسارعة للملف النووي الإيراني، ذلك ان هذا الملف بات على مشارف مرحلة حاسمة لجهة البدء بحلول تفاوضية، رغم التشاؤم المحيط بهذا الاحتمال، او البدء بتصعيد وتيرة الضغط على طهران من خلال إجراءات عقابية، وهو الاحتمال الذي يواجه غموضاً مقصوداً وكبيراً من قبل روسيا والصين حتى الآن لأنه يدخل في اطار عدد من الملفات الأخرى والعديدة العالقة مع الولايات المتحدة. ويفترض الأمران، اي عدم حصول اختراقات في تقرير برامرتز وحصر جل الجهود الدولية بالملف الإيراني، ان تشعر سوريا بمزيد من الارتياح، ذلك ان ثمة رأياً غربياً يقول ب<فصل بؤر التوتر> الراهنة في الشرق الأوسط، لأن تعقيدات الأشهر القليلة الماضية في الملفات الثلاثة العراقي الأميركي، اللبناني السوري، الفلسطيني الإسرائيلي، تجعل التأثير الإيراني حاضراً بقوة مباشرة او عبر التحالف العضوي مع دمشق.

ومن شأن نظرية <فصل بؤر التوتر> التي يروج لها بعض المسؤولين الاوروبيين، الإيحاء لسوريا بأنه قد يكون من صالحها على المديين القصير والمتوسط، ألا تعيق الضغوط المقبلة على إيران، والتي لا يستبعد البعض ان تنتقل الى مراحل اكثر خطورة في حال أقر الأوروبيون بفشل اقتراحهم الأخير. وهذا بالضبط جزء من طلب <تغيير السلوك> السوري الذي طالما طرحه المسؤولون الأميركيون. وإذا كان عارفو المحقق الدولي برامرتز يؤكدون حرصه الشديد على السرية المطلقة في عمله، وعلى فصل التحقيق عن أية تأثيرات او ملفات دولية، إلا أن ثمة رغبة واضحة لدى بعض عواصم القرار في مجلس الأمن، بعدم إحداث أية اختراقات في الوقت الراهن على صعيد التحقيق، لكي لا يكون في ذلك عامل لتمتين اواصر التقارب الإيراني السوري.

الواضح حتى الآن ان المؤثرات الدولية على سير تحقيق برامرتز تبدو غير قائمة او غير مرئية، وثمة أجواء في مجلس الأمن والأمم المتحدة، تبسط الأمور بقولها، إن عدم حصول اختراقات في التقرير الذي سيقدمه القاضي الدولي قريباً والذي سيناقش في خلال اسبوع تقريباً لا يرتبط مطلقاً بأية ضغوط دولية وإنما بطبيعة عمل هذا المحقق الدولي الذي <لن يقول شيئاً قبل الوصول الى شيء>، وهو بحاجة الى وقت إضافي لأنه أعاد النظر تقريباً بكل التحقيق السابق الذي كان يشرف عليه سلفه القاضي الألماني ديتليف ميليس.

اما المثير للقلق، فهو الرأي القائل، بأن لبنان سيتأثر مجدداً بكل ما يجري في سياق ملفي إيران والتحقيق. ويقول مسؤول اوروبي في هذا الصدد بوجوب ان نكون مكفوفين او قصيري النظر لكي لا نرى ان كل التوترات الأمنية التي يشهدها لبنان منذ فترة غير مرتبطة بالوضع العام، ففي اقل من شهرين، حصلت اشتباكات فلسطينية لبنانية، وقتل جندي لبناني، وتوترت الاوضاع عند الحدود مع اسرائيل، ونزل الناس الى الشوارع في بيروت والضاحية الجنوبية في عرض قوة واضح الأهداف حتى ولو قبلنا بمنطق انه كان عفوياً. وبرأي المسؤول نفسه، فإن لبنان تماماً كالعراق، يعيش ارتدادات الهزات التي يشهدها بين الحين والآخر الملف الإيراني او التحقيق الدولي، وهو الأمر الذي يدفع دولاً كفرنسا والولايات المتحدة على وجه الخصوص ومعها بريطانيا الى الإبقاء على نظرية الحفاظ على الضغوط الدبلوماسية على سوريا من جهة، وتأكيد التضامن الدولي مع الحكومة اللبنانية من جهة ثانية، حتى ولو حصل قبول ضمني لدى هذه الدول بإرجاء الملفات التي كانت ملتهبة في لبنان قبل فترة على غرار سلاح حزب الله وملف رئاسة اميل لحود.

وبناء على ما تقدم يبقى الملف الإيراني صاحب الأولوية في الاهتمامات الدولية الراهنة، ذلك ان إدارة الرئيس جورج بوش تسعى الى اعتماد احد المخرجين، فإما ان تقبل إيران التفاوض بشروط الغرب (اي التخلي التدريجي عن برنامجها مقابل الإغراءات الغربية) أو أن يقول الأوروبيون إن طريق التفاوض بات مسدوداً، الأمر الذي يجعل بوش اكثر حرية في الخيارات المقبلة التي يفترض أن تبدأ بعقوبات تليها إجراءات لمنع إيران من أي تطوير لبرنامجها ولو بالقوة.

وفي هكذا أجواء، يصبح وضع لبنان أكثر حساسية من أي وقت مضى، وتصبح كل الاحتمالات مفتوحة مجدداً فيه، بما في ذلك خيار التوتر الأمني الذي ربما عاد يشكل حاجة لأكثر من طرف، فتعقيد الملف الإيراني سيرتد على لبنان، واحتمال توصل التحقيق الدولي نحو نتائج سيرتد أيضاً ربما في اكثر من اتجاه