كما أن في جنوب أفريقيا قبيلة الزولو، وكما تميّّز قبيلة الماساي كينيا، فان في لبنان قبيلة لا نظير لها في العالم لا أفخاذا ولا فروعا. إنها قبيلة السكرتيرات. وتتميز القبيلة المذكورة بالولاء المطلق وبحيازة الحزام الأسود في الدفاع اللفظي عن صاحب العمل. وهناك فخذ من القبيلة يجيد رمي الرماح كمثل ما كان عليه ابن شداد. وأحاول، ما أعطيت من حظ وصمود وطاقات، أن أتجنب الاتصال بأصدقائي عن طريق الرماحيات وذوات الحزام الأسود في الكاراتيه. لكن أحيانا لا حول ولا قوة. وكان آخر ما تعرضت له في هذا الباب من الصراع القبلي، أنني اتصلت بسعيد عصام فريحة. أو سعيد فريحة الحفيد. ولي في الاتصال غاية واحدة ومشاعر واحدة. فسعيد الحفيد مثل ابني، بدأت العمل الصحافي مع والده خلف طاولة وفي سهر ليلي واحد. ومن حين إلى آخر، أتذكر سعيد الجدّ، وأتذكر عصام وسهر الفجر، وأتذكر ابني. ويخطر لي أن اتلفن إلى سعيد.

ردت السكرتيرة. قالت: من حضرتك؟ أجبت: فلان. هل تريد الأستاذ لأمر خاص أو لعمل؟ قلت أريده لإلقاء التحية. قالت الأستاذ على سفر. قلت، حسنا. عندما يعود، أرجو أن تبلغيه أنني سألت عنه. وليس لأي أمر سوى التحية. فإذا تسنى له الوقت فليكلمني. واعتقدت أنني وضعت بذلك خاتمة للمذلة في تفقد الأصدقاء والأحباء. لكن الآنسة السكرتيرة عادت تسأل من جديد: أليس في إمكاني أن أخدمك بدل الأستاذ؟

وأكبرت فيها الإخلاص وسعيها لحماية الأستاذ من الطفيليين والغرباء وطالبي الوظيفة. وقلت لها مازحا: يا ليت. لكنني أريد أن ابلغ الأستاذ لأنني في شوق إليه وان اطمئن على عائلته. واعتقدت أن تلك كانت الخاتمة. لكن صاحبة الصوت الطري عادت تسألني من جديد: وهل قابلت الأستاذ من قبل؟

وانفلت الشرش الأخضر في صدغي الأيسر. وقلت لها بالحرف: «طبعا قابلته من قبل. أرجو أن تذكريه أن فلانا الذي رآك في تظاهرات غزة الأسبوع الماضي، قد هيأ جميع السيارات المفخخة وأعد الصواريخ واشترى مجموعة الكلاشنيكوفات اللازمة لمهاجمة طائرة البان اميركان في هونولولو. وليس عليه ـ هو، عزيزي سعيد الحفيد ـ سوى أن يؤمن شحنات البطيخ اللازمة لتفجير القوات التركية المتمركزة في شرق الأناضول». وحدث وجوم قصير. وشعرت أنني انتقمت أخيرا لنفسي. ثم عاد الصوت الطري الحارس يتأكد: «هل أنت واثق من أن الأستاذ يعرفك؟». وأكملت: قولي له الرجل الذي رآك في نابلس تعد صهاريج...