بمعزل عن <الأخطاء> التي ترتكبها بعض الفصائل الفلسطينية في لبنان وبمعزل عن المبالغة في الاستثمار السياسي لها من قبل الاكثرية الحاكمة، فإن الأوساط المتابعة للملف الفلسطيني تؤكد انه محكوم بسقوف محلية وإقليمية لا يمكن تجاهلها في معرض مقاربة هذا الملف الذي تلفحه تارة هبة باردة وطوراً هبة ساخنة.

في الجانب المحلي، سيكون من العبث القفز فوق حقيقة أن لا إمكانية لتحقيق تقدم في معالجة مسألة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات من دون إعادة بناء الثقة بين الجانبين اللبناني والفلسطيني، والأمر هنا لا يتعلق فقط بإجراءات مطلوبة على الصعيد الميداني او الخدماتي بل ان الحلقة الأساسية المفقودة حالياً هي سياسية بامتياز، وبالتالي فإن ترميم الثقة يبدأ من محاولة ردم الفجوة السياسية والاطمئنان الى النوايا المتبادلة.

ومشكلة الفسطينيين في هذا الإطار، خصوصاً أولئك الرافضين لمنطق التفاوض والتسوية، انهم غير مطمئنين الى موقع <لبنان الجديد> في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، على خلفية التحولات الكبرى التي شهدها البلد منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولذلك فإن هؤلاء ينتظرون ما سيؤول اليه الحوار الوطني حول الاستراتيجية الدفاعية والنظرة الى سلاح المقاومة ليحددوا خطوتهم التالية، باعتبار ان نتائج الحوار ستكون مؤشراً الى الذهنية التي ستتعاطى بها الدولة اللبنانية مع الخطر الإسرائيلي، فإذا أخذ المتحاورون بالاستراتيجية القائمة على ثنائية الجيش والمقاومة كان من شأن ذلك أن يسهل لاحقاً معالجة إشكالية السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، على قاعدة أن الفصائل المعنية ستجد في هذه الصيغة مصدر اطمئنان لها، أما إذا أخفق الحوار فإن الفصائل ستتمسك أكثر فأكثر بسلاحها لأنه سيكون من وجهة نظرها الضمانة الفعلية الوحيدة للوجود الفلسطيني في ظل غياب القرار الرسمي بتبني منظومة دفاع تحمي الموجودين على الأراضي اللبنانية، من مواطنين ولاجئين.

البعد المحلي الآخر للملف الفلسطيني يتمثل في سعي البعض الى <استثماره> لتسجيل نقاط على الخصوم، وفي هذا السياق تعتقد أوساط على مسافة من فريق 14 آذار ان قوى <الأكثرية> التي تشعر ان تفاهم حزب الله التيار الوطني الحر بقي صامداً في مواجهة كل الملفات والاختبارات الداخلية الساخنة، إنما تعتقد ان العزف المستمر على الوتر الحساس ل<السلاح الفلسطيني> قد يفيد عاجلاً أم آجلاً في تبريد حرارة <التفاهم> المتهم بالتسبب في الإخلال بالتوازنات الداخلية المستحدثة لصالح خصوم فريق 14 آذار، وتفترض <الأكثرية> في حساباتها أن تيار العماد ميشال عون لا يستطيع ان يذهب الى الحد الذي يبلغه حزب الله في مقاربته للموضوع الفلسطيني، الأمر الذي يستدعي التركيز على إثارة هذا الموضوع كلما سنحت الفرصة ومن ثم اللعب على التناقض بين الطرفين في تناوله، أما في حال لم يتمايز عون عن حزب الله فيمكن استخدام ذلك لإرباكه او لحشره مقابل تعزيز وضع الدكتور سمير جعجع على الساحة المسيحية.

أما في البعد السوري للموضوع، فإن العارفين بحسابات دمشق يؤكدون ان ما يهمها في المبدأ هو حسم مسألة السياسة الدفاعية للبنان بما يتناسب ورؤيتها الاستراتيجية الى الصراع العربي الإسرائيلي وموقع بيروت فيه، وبالتالي يمكن القول استناداً الى هذا المعطى إن سوريا ليست في وارد أن تستخدم الآن نفوذها على الفصائل الفلسطينية المتحالفة معها، من أجل تسهيل او تسريع التفاهم الفلسطيني اللبناني على مصير السلاح الموجود خارج المخيمات، ما لم تتضح لديها مسبقاً النتيجة التي سيؤول اليها الحوار بين القوى الداخلية حول مستقبل سلاح المقاومة وماهية الاستراتيجية الدفاعية.

انطلاقا من هذا <المعيار> تحديداً، تقارب دمشق مسألة السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها، وهي ليست بوارد ان تتنازل عن الأوراق القوية التي تملكها في هذا المجال قبل ان تطمئن الى مضمون الخيارات الاستراتيجية التي سينتهجها لبنان في المرحلة المقبلة، ويلفت العارفون الانتباه الى ان طمأنة دمشق هي إحدى البوابات الرئيسية الى معالجة الملف الفلسطيني ولا سيما ان موقع سوريا في المعادلة الفلسطينية يتيح لها ان تمارس تأثيراً كبيراً على هذا الصعيد، ذلك ان لها علاقة تحالفية مع حركة <حماس> الممسكة بالسلطة حالياً ومع الفصائل الفلسطينية العشرة الموجودة خارج إطار منظمة التحرير، بموازاة احتفاظها بجسور ممدودة في اتجاه حركة <فتح>، وهذا ما عكسته على كل حال زيارة أحمد قريع موفداً من الرئيس الفلسطيني أبو مازن الى دمشق أمس حيث التقى الرئيس السوري بشار الأسد.

ويبقى أن الخلاف الفلسطيني الداخلي والذي تفاقم مؤخراً، لا سيما بين حركتي فتح وحماس، يساهم في تعقيد محاولات معالجة قضية السلاح المقيم خارج المخيمات في لبنان، بدءاً من الصعوبة في تشكيل وفد موحد وصولاً الى الصعوبة الأكبر في تحديد وظيفة هذا السلاح الذي تعتقد فصائل عدة من بينها حماس والجهاد الاسلامي، وليس فقط فتح الانتفاضة والجبهة الشعبية القيادة العامة، بأن الحاجة اليه لم تنتفِ بعد.

ويبدو ان مستقبل <منظمة التحرير> هو أحد وجوه الخلاف المستحكم بين حركتي <فتح> و<حماس> في ظل اصرار الاولى على اعتبار <المنظمة> هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ورفض الثانية الاعتراف بذلك على قاعدة ان الانتخابات التشريعية الاخيرة في الاراضي الفلسطينية انما أفرزت معطيات جديدة وحددت بالارقام الاحجام التمثيلية عدا عن اتفاق القاهرة بين مختلف الفصائل وبرعاية مصرية كان قد نص على اعادة تكوين جسم <المنظمة> بعد ضم قوى موجودة خارجها اليها.

ومن الواضح ان <فتح> تتردد في الغوص في ملف منظمة التحرير الآن انطلاقا من اعتقادها بأن انضمام <حماس> الى صفوفها ليس مؤاتيا في مثل الظروف الراهنة حيث تتعرض الحركة الى حصار دولي وضغوط متعددة الاطراف من شأنها ان تجعل <حماس> عبئا على منظمة التحرير اذا اصبحت جزءا منها في هذه المرحلة.