كان لا بد للمثقفين في لبنان وسوريا من ان يبادروا، اخيرا، الى اعلان مشترك لرؤية متقاربة لتصحيح العلاقات بين البلدين. فطوال عقود، بقيت هذه العلاقات مرهونة بقنوات جافة (المسؤولون السياسيون، المجلس اللبناني – السوري الاعلى...) في احسن الاحوال، او بمافيات مشتركة في اسوئها... او كانت "لا علاقات" في اسوأ الأسوأ، اي هيمنة وتسلطاً من الجانب الاقوى (اللبناني طبعاً!).

لذا استبشرت خيرا بـ"اعلان بيروت – دمشق/ بيروت" حين عرض علي قبل شهر من نشره في الجرائد لكي اوقّع عليه. فلقد صار للمثقف اللبناني – السوري المشترك صوت، اذن، يوازي (ضميرياً على الاقل) صوت النظام الامني اللبناني – السوري المشترك (الذي ألصقت به كل الجرائم عن حق او باطل). هكذا فكّرت للوهلة الاولى. وحين قرأت الاعلان سريعا، سررت لما فيه، على وجه الخصوص، من تذكير بنضالات وتضحيات شعبينا المشتركة (من العام 1915 الى تحرير الجنوب اللبناني)، ومن رفض لمشاريع الاستتباع والاستعلاء، ومن شجب للمافيات المشتركة، ومن ادانة "لأشكال التمييز والعنف... ضد العمال السوريين في لبنان"، ومن مطالبة باطلاق سراح المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، وغير ذلك من الامور التي لم نمل في "الآداب"، ولن نمل، من الدعوة اليها لكونها خطوة لازمة على طريق العروبة الجديدة.

ثم اعدت قراءة الاعلان، فتكشفت امامي جملة اختلالات ذكرتها في حينه لبعض من اعدوه املاً في تعديله قبل نشره. لكن الاوان كان قد فات كما يبدو، وهو امر اتفهمه. ولذا كان علي ان اوقع على الاعلان كما هو (رغم تحفظاتي) او ان ارفض ذلك. وبغض النظر عن القرار الذي توصلت اليه، وهو الرفض، رغم الاسى من الا اكون جزءا من مجموعة مبادرة لاتنقصها الشجاعة، فان ما يهم هو ذكر اسباب ذلك الرفض.

غير اني اود اولا ان اشدد على ثلاث نقاط جوهرية، ولاسيما بعد حملة الاستدعاء والتوقيف التي طاولت – حتى لحظة الانتهاء من كتابة هذه الافتتاحية في 24/5/2006 – ثلاثة عشر مثقفا وناشطا سوريا من الموقّعين على الاعلان المذكور، والرافضين لربط معارضتهم بالمشروع الاميركي، وهم الزملاء: الصديق ميشال كيلو، غالب عامر، محمود عيسى، عباس عباس (الذي تجاوز الستين)، نضال درويش، محمود مرعي، خالد خليفة، سليمان الشمر، خليل حسين، محمد محفوض، اكرم البني، كمال شيخو، صفوان طيفور. بعضهم ما زال موقوفا وقد ينال حكما بالسجن المؤبد (!) وبعضهم اخلي سبيله، وبعضهم سيدخل لينضم الى رفاقه الجدد، الذين كانوا قد انضموا بدورهم الى الزملاء الدكتور عارف دليلة والصديق علي العبدالله ومحمد العبدالله وفاتح جاموس و...

اما النقاط الجوهرية الثلاث فقد اثارتها في نفسي حملة الهجوم شبه الرسمي السوري على "الاعلان" والتوقيفات السابقة واللاحقة. واوجزها بالآتي:

حق، بل واجب، كل كاتب ومثقف عربي، في اي قطر عربي، في التدخل في "الشؤون الداخلية" لأي قطر عربي آخر – ولاسيما حين يتعلق الامر بمصالح مشتركة تجمع ذينك القطرين، او باعتقال زملاء كتاب لا ذنب لهم حقيقيا الا ايمانهم بدور المثقف العام في "الجهر بالحقيقة في وجه القوة" (بتعبير تشومسكي وادوارد سعيد).

حق، بل واجب، كل كاتب ومثقف (عربي او غير عربي) في الا يخضع لمنطق "مقتضيات المرحلة الراهنة" (وما اكثرها) ولا لتكتيكات الانظمة (وما اخبثها). فليس ثمة "توقيت" يمنع مثقفا من السكوت عن الظلم والخطأ، حتى لو كان الخطر الخارجي على البلاد وشيكا. بل العكس قد يكون صحيحا: ذلك ان الخطر الخارجي الوشيك قد يكون افضل انذار لـ"الانظمة الوطنية" كي تصحح اخطاءها وترفع الظلم عن مواطنيها استعدادا للمواجهة الوطنية الشاملة. ان لا منطق "التزامن المريب" الذي تحدث عنه المحرر السياسي لجريدة "تشرين" (في 17/5/2006) بين الاعلان المذكور والقرار "الدولي" 1680 المعادي لسوريا، يجب ان يكون مرفوضا سلفا من كل الاحرار لأنه وسيلة ترهيب لا غير – وهذا ما اشار اليه الرفيق فواز طرابلسي في "السفير" (في 19/5/2006). وهذا لا يعني، على ما ينبغي ان اضيف، انني لا اضع علامات استفهام كبيرة حول اخلاص واحد على الاقل من الموقّعين السياسيين السوريين لمبدأ "لا حرية" لبلدينا (على ما جاء في المقطع الثالث من الاعلان)، وخاصة بعد تحالفه وتحالف "جماعته" المعلن مع السيد عبد الحليم خدام، احد اركان النظام في سوريا طوال اكثر من ثلاثين عاما! (1)

حق بل واجب، كل مثقف نقدي في اعلان اختلافه مع زملائه المثقفين الآخرين، حتى لو كان هؤلاء ضحايا العسف والاستبداد. ذلك ان التضامن مع زملاء المهنة ضد الظلم ينبغي الا يحول دون الجهر بخلافنا معهم... والا انتفت وظيفة النقد، واستحال نوعا من العصبوية الضيقة، بل عائقا اضافيا امام الحقيقة، وتقديسا لا لزوم له للضحية والشهيد.

والآن، اوجز خلافي مع الزملاء الموقعين على الاعلان في نقطتين: اسباب تدهور العلاقات اللبنانية السورية، والموقف من المقاومة المسلحة في شبعا وكفرشوبا.

اسباب التدهور

تورد المقدمة ان التدهور اتسع "منذ اجراء عملية التمديد للرئيس اللبناني اميل لحود... ثم تصاعد، بوتائر شديدة الخطورة، مع ارتكاب جرائم الاغتيال السياسي..." لكن المقدمة لا تتطرق بشكل واضح الى اساس التدهور، وهو (وارجو ان يتسع صدر الرقيب السوري) الدخول العسكري الى لبنان عام 1976. فالحال ان هذا الدخول هو الذي أسس لأكثر الاختلافات اللاحقة في العلاقات بين البلدين، بغض النظر عما اذا تم في الاصل استجابة لدعوة "المسيحيين الموارنة من اجل حمايتهم من فلسطينيي ياسر عرفات" (على ما يذكر روبرت فيسك) او بضوء اخضر من الولايات المتحدة وكيسينجر تحديدا (على ما يؤكد الشهيد سمير قصير وغيره). بكلام آخر، ان اي تقويم للعلاقات بين البلدين بهدف تطويرها يجب الا يغفل نقطة التأسيس... هذا رغم تقديرنا للجوانب الايجابية اللاحقة في ذلك التدخل العسكري، وتحديدا ما يختص منها بدعم المقاومة الاسلامية (وإن على حساب الاطراف العلمانية الاخرى، وصولا الى تغييب الاخيرة من ساحة المعركة العسكرية بقرار رسمي سوري يسهل التحكم السوري بقرارات الحرب والسلم مع العدو الصهيوني). وبهذا المعنى، فان "اعلان بيروت – دمشق/ دمشق – بيروت" اقل وضوحا واضعف موقفا من بيان المثقفين السوريين انفسهم (ومنهم العزيزان سعدالله ونوس ونزيه ابو عفش) عشية الدخول العسكري السوري الى لبنان قبل ثلاثين عاماً!

بيد ان الاخطر من ذلك هو اغفال "الاعلان" اي دور للقرار 1559في زيادة تدهور العلاقات بين البلدين. فهذا القرار هو الذي فرض الانسحاب العسكري السوري من لبنان بشكل اشعر القيادة السورية بالاهانة، ولا يقلل من هذا الشعور مظاهر "الابتهاج" الشعبي السوري بعودة الجيش السوري الى سوريا – ذلك ان تلك المظاهر ما هي الا تصعيد transcendence للشعور المذكور ومحاولة لطمسه. كما شجع صدور القرار 1559 الاطراف اللبنانية الطائفية والعنصرية داخل ما يسمى بفريق 14 آذار (قبل انسحاب التيار العوني منه لأسباب لا علاقة لها بالمبادىء العليا) على الاحتفاء بالنصر السيادي والشماتة بسوريا قيادة وشعبا، وتم ذلك بطريقة زادت من الاحساس الشعبي السوري بالهوان الوطني – وهو احساس لم تتردد السلطات السورية في توظيفه لمصلحتها، فـ"دعمت" الالتفاف الشعبي الوطني حول الرئيس الاسد ردا على مظاهر الاستفزاز العنصري والطبقي اللبناني البذيء (التي من رموزها الفنية "المبدعة" والمقززة: المكانس، والقباقيب، وبسطات الكعك التي تحيل على العامل السوري الفقير، وصور هيفاء وهبي تطالب بابعاد الجيش السوري عن "مفاتنها"). وهكذا انتشرت الاعلام السورية في الشوارع السورية، والهتافات المؤيدة للنظام، بشكل كثيف غير مسبوق ربما في تاريخ سوريا منذ عقود، بل وبلغ الالتفاف حول النظام عمق الساحة الثقافية الشعبية السورية نفسها (كما هو حال المسرحية الاخيرة للمرحوم محمد الماغوط في دمشق، على ما جاء في احد مقالات الصديق ياسين الحاج صالح في "ملحق النهار" قبل شهور).

وينضاف الى اسباب التدهور ما أغفله الاعلان أيضاً من حملات اعلانية متبادلة بين فريقي الحكم في لبنان وسوريا منذ عامين تقريبا. علاوة على خطوات جديدة رديئة قام بها الطرفان من قبيل: اجتماع النائب وليد جنبلاط في لبنان مع جماعة الاخوان المسلمين السوريين (أعتى أعداء النظام في سوريا)، وتكريم بعض قوى 14 آذار (أو شباط بالأحرى) للمجرم جون بولتون في واشنطن، واصدار القضاء العسكري السوري "مذكرة جلب دولية" بحق النائبين جنبلاط ومروان حمادة والصحافي فارس خشان!

ان مقدمة "الاعلان"، إذن، تكاد تحصر اسباب التدهور اللبناني – السوري بحادثة التمديد للرئيس اميل لحود (المرفوضة في ذاتها طبعا)، ولا تاخذ في الاعتبار البعد الخارجي الدولي المتمثل في صدور القرار 1559، الذي أزم – كما أوضحنا – العلاقات وظهرها بأشكال شعبوية انعزالية في البلدين (وخاصة في لبنان). وقد يشفع للاعلان انه عاد في البند السابع فاستنكر "أشكال التمييز والعنف التي تمارس ضد العمال السوريين في لبنان،" وطالب السلطات اللبنانية "بتعقب المتهمين بجرائم الاعتداء على هؤلاء العمال..." ولكنه كان أجدر به أن يذكر ان ذلك التمييز (الحق انه عنصرية صراح!) وتلك الجرائم هي من أسباب التدهور، لا نتيجة له فحسب.

ومثلما أغفل الاعلان أي ذكر للقرر 1559 في تأزيم العلاقات بين البلدين، فإنه اغفل ايضاً سبباً آخر يتمثل في التدخل الدولي "غير الحكومي"، أي في المنظمات "غير الحكومية" الاميركية وغير الاميركية التي تدخلت لـ"مساعدة" اللبنانيين على "استعادة" ديموقراطيتهم. وقد سبق ان تعرضتُ بالتفصيل لدور منظمة "روح اميركا" في تمويل "خيمة الحرية" و"ساعة الحرية" و"نبض الحرية" (موقع الكتروني) وتمويل الامدادات الغذائية للمتظاهرين الاستقلاليين اللبنانيين. كما تعرّضت لدور شركات اعلان غربية (مثل ساتشي آند ساتشي) ساهمت في "تمدين" التعبير السيادي اللبناني الجديد، وتزيينه في أعين الشباب، باتجاه "استقلالي" عن سوريا تحديداً، ولكن في اتجاه الاستهلاك والغرب ايضاً وكل ذلك مما أغفل إعلان بيروت – دمشق/ دمشق – بيروت مجردالاشارة اليه في سياق الحديث عن اسباب تدهور العلاقات.

واخيرا، فإن الاعلان لا يغوص في سبب اساسي في تدهور العلاقات، ألا وهو طبيعة النظامين في البلدين، فالحال ان الطبيعة الحزبية – العسكرية للنظام في سوريا، والطبيعة الطائفية – الزبائنية للنظام في لبنان، لا يمكن إلا ان تعززا المافيات المشتركة او علاقات الاستلحاق، لا العلاقات الطبيعية الندية التي يطالب "الاعلان" ونطالب نحن بقيامها. صحيح ان الاعلان في بنده الرابع يصر على أن " سيادة نظم ديموقراطية في البلدين تشكل افضل ضمانة لقيام ورسوخ علاقات متكافئة وسليمة بينهما،" الا انه كان أحرى بالاعلان ان يعزو احد اسباب التدهور الى لا ديموقراطية النظامين (وليعذرني الرقيب السوري مجددا، والمتشدقون بالديموقراطية اللبنانية). وعلى سبيل التحديد، فان الطابع الطائفي – الزبائني في لبنان لا يشجع الا على الالتحاق بـ"الأجنبي،" أأميركيا كان هذا الأجنبي ام فرنسيا ام سعوديا ام اسرائيليا ام سوريا... وعدوا يا شطار! وقد تتحسن العلاقات بين البلدين احيانا إن بقي النظامان على ما هما عليه، غير ان ذلك "التحسن" سيظل مرهونا بازمات كل بضع سنوات أو أشهر كما هو حالنا اليوم، ما دامت الديموقراطية معوقة في كليهما – بالحزبية، والنزعة العسكرية، والطائفية، والزبائنية. طبعاً نحن لا ندعو الى فرض "الديموقراطية" بالقوة الخارجية (كما يحصل في العراق وافغانستان)، ولا الى فرضها بأساليب "ناعمة" (عبر أذرعة العولمة، وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي)، وإنما الى فرضها من الداخل، أي عبر انخراط أوسع للناس (وضمنهم المثقفون) في السياسة والنشاطات الاهلية. وبكلمة، فإن العجز الديموقراطي democracy deficit في البلدين كان وسيبقى من اسباب التدهور في العلاقات، وستكون تغطية ذلك العجز من عناصر تحسينها بالتأكيد.

المقاومة المسلحة في شبعا وكفرشوبا

في البند الثاني من "إعلان بيروت دمشق/ دمشق – بيروت" يعلن الموقعون "تمسكهم" بحق سوريا في استعادة كامل اراضيها المحتلة في الجولان، وتمسكهم ايضا بـ"استعادة لبنان ارضه التي لا تزال محتلة في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، بكافة الوسائل المتاحة، بعد الاعلان الرسمي السوري عن لبنانيتها تحت مظلة الشرعية الدولية".

غريب منطقكم هنا بعض الشيء، أيها الاصدقاء. فأنتم تُقرّون بلبنانية شبعا وكفرشوبا، ولكنكم تنتظرون أن يُعلن السوريون رسمياً عن ذلك (وتحت "مظلّة الشرعية الدولية") لكي تشرّعوا تمسّككم باستعادة لبنان أرضه المحتلة "بكافة الوسائل المتاحة". وهذا يعني أن على المقاومة اللبنانية ألا تقاوم المحتل قبل اعتراف النظام السوري بلبنانية ارضنا... علماً أن السيد فاروق الشرع ومسؤولين سوريين آخرين سبق أن اعترفوا بذلك غير مرة، وإن لم يوقّعوا رسمياً على ذلك – وهو أمر مطلوب منهم في كل حال، ولا يبرّر تلكؤهم فيه أي مبرّر.

من أي مرجعية طلعتم بذلك التنظير يا إخوان؟ لنا أرض محتلة باعترافكم، ولدينا مقاومة جديرة باسمها ويشهد لها شهداؤها وأعداؤها على السواء (رغم مساوماتها الداخلية الانتهازية غير المقنعة ولكن هذا حديث آخر!)، ومع ذلك فأنتم تبخلون عليها بحقها الوطني والشرعي والقانوني في العمل لتحرير الارض. بل إنكم تبخلون عليها باسمها ذاته: فليس في إعلانكم كلمة "مقاومة"، ناهيكم بكلمة "مسلّحة"، وكأن العبارة الهزيلة التالية: "كافة الوسائل المتاحة" لا تشمل العمل المسلّح الا على استحياء! هذا في حين أنكم بالغو السخاء في هذا البند القصير جداً حين يتعلّق الامر بالشرعية الدولية: فتتحدثون بإطراء عن "مظلة الشرعية الدولية" وعن "المواثيق والقرارات الدولية" (في ما يخص حق عودة اللاجئين الفلسطينيين).

وبالمناسبة، ولأداعبكم قليلاً لأن بعضكم صديق لي، اسألكم: من أين جئتم بتلك المظلة؟ أين يبيعونها: في ساحة المرجة، أم في شارع الحمراء؟ هل أعادت هذه الشمسية شبراً واحداً من أرض لبنان المحتلة، أو من الجولان المحتل؟ هل أعادت لاجئاً فلسطينياً واحداً الى بيته في عكا؟

طبعاً أنا لا أدعو الى رمي تلك المظلة في سلة المهملات؛ فهي مفيدة... ما دامت هناك مقاومة! ولكن اسمها يدل عليها: إنها مظلة فقط! وهذه المظلة نفسها تشرّع مبدأ المقاومة ضد الاحتلال، لكنها ينبغي ألا توقف المقاومة اللبنانية المسلحة أو توقف دعمنا لهذه المقاومة إن لم تعترف (أي تلك المظلة المهيبة) حتى هذه اللحظة بلبنانية شبعا وكفرشوبا أو بفلسطينية عكا ويافا وحيفا واللدّ أو الاراضي "المتنازَع عليها" بين الفلسطينيين والاسرائيليين! أم أن علينا، كلبنانيين، ألا ندعم المقاومة في الجنوب لمجرد أن الجبهات العربية الاخرى مغلقة، كما أظن بعضكم سيقول؟ ولكن كنت أتوقّع منكم في هذه الحال، كمثقفين واصحاب مبادئ ومواقف تاريخية ونضالية، أن تُطالبوا بفتح تلك الجبهات العربية الاخرى لا بتقييد الجبهة العربية الوحيدة المفتوحة ضد اسرائيل (الى جانب الجبهة الفلسطينية طبعاً) بقيود القرار الرسمي السوري والمواثيق و... الشمسيات الدولية!

كنت أتوقّع أيها الزملاء أن تقدموا المقاومة الوطنية اللبنانية – من "الحرس الشعبي" في أوائل السبعينات، مروراً بـ"جبهة المقاومة الشعبية لتحرير الجنوب من الاحتلال والفاشية" في أواخر السبعينات (من شهدائها: إياد نور الدين المدوّر، والرفيق "راجي")، الى "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" (جمّول) في الثمانينات، وانتهاء بـ"المقاومة الاسلامية" اليوم – بصفتها أمثولة عربية فذة على قدرة شعب صغير على الانتصار بسبب السلاح والتكتيكات والتحالفات الذكية، لا بسبب انتظار قرارات دولية لم تؤد الى تحرير أي أرض عربية محتلة حتى اليوم... اللهم الاّ مقابل احتلال عاصمتها ذاتها بالديبلوماسيين والجواسيس الاسرائيليين وبالبضائع الاسرائيلية والشركات الداعمة لاسرائيل!

الحاصل أن "الاعلان" صدر، وتلته توقيفات (من دون مذكرات قانونية) طاولت كما ذكرنا 13 ناشطاً ومثقفاً زميلاً، على رأسهم الصديق ميشال كيلو(2) طبعاً، هذا لن يدفعني الى الندم على عدم التوقيع على الاعلان، بل الى تكرار دعوتي (التي توجهتُ بها الى من عرضوا عليّ الاعلان قبل نشره بشهر، وأعدتها من على منبر "التجمّع الوطني للانقاذ والتغيير" قبل ايام). وألخّصها هنا في الآتي: اقامة مؤتمر (في بيروت مثلاً)، يتضمن حلقات نقاش وورش عمل عدة، من باحثين وناشطين ومثقفين لبنانيين وسوريين من مختلف المشارب الوطنية والتحررية، بهدف الوصول الى اقتراحات عملية في سبيل ردم الفجوات المتزايدة في العلاقات السورية – اللبنانية.

فالاعلانات والبيانات قد تتعرّض للكثير من التنازلات والمساومات. أما ورش العمل وحلقات النقاش فصيغة أكثر مرونة، وحرية، وتواصلية، لأنها غير ملزمة بـ"اعلان ختامي" قد يُغفل أكثر مما يذكر! ونعلن هنا، كمجلة، استعدادنا لأن نكون في عداد المنظمين الاساسيين لهذه الورش في حال موافقة أطراف أخرى وطنية/ ثقافية مستقلة.

ولكن، هل سيُفرج عن المعتقلين السوريين لينضموا الى إعداد هذه الورش خدمة لمصلحة سوريا ولبنان معاً؟ يبرر السيد علي البيانوني تحالفه مع السيد خدام بأن يدي الاخير "غير ملطختين بالدم"، وأنه (اي خدام)... "تغير"! (رويترز 23/5/2006).

لا بد هنا من الاشارة الى عدم اقتناعنا بالتهم الموجهة الى الموقعين السوريين، من قبيل: "إضعاف الشعور القومي" و"ايقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية".