ليهنأ مسؤولو دولتنا ويضعوا أيديهم وأقدامهم في ماء بارد جداً, وليستعدوا للفرجة على المونديال بكل عين قريرة وارتياح بال, فقد بشرتنا وزارة البيئة بإنجاز أول تقرير من نوعه لحساب تكاليف التدهور البيئي, وسيتم قريباً الإعلان عن أول دراسة في هذا الخصوص, علماً, والعلم عند الله, حسب الأرقام التي أوردتها جريدة «الثورة» أن الواقع يسجل بانتظام معدلات تلوث مقلقة. وبالعودة إلى إحصاءات البنك الدولي هناك أربعة آلاف وفاة سنوياً في سوريا بسبب تلوث الهواء الناجم عن عوادم الآليات والمصانع, أي بمعدل 11.11 شخصاً يومياً.

فإذا أضفنا إلى رقم الأربعة آلاف الآنف الذكر, وفيات الأمراض المستحدثة والمتسارعة بالظهور والفتك, وحوادث سير باتت تشق على الحصر, وضحايا تفاقم جريمة ستصبح منظمة ومنتظمة, ومن ثم الوفيات الطبيعية التي تجاوزت الروتين المعتاد, نجد أنه لا داعي لقلق رئيس حكومتنا من ارتفاع معدل التزايد السكاني سنوياً, حتى لو استمر بحدود 2,5€, فعدد السكان لن يصل العام 2026 الى 23 مليوناً, أو في العام 2086 سيكون 140 مليوناً, حسب متوالية هندسية, تقض مضجع الخطة الخمسية, كما فهمنا من كلام رئيس الحكومة في وقت سابق, حين دعا جميع الجهات الى التعاون لمعالجة الانفجار السكاني الضاغط على الموارد المحلية وعلى معدلات التنمية. ولتعط حكومتنا لهواجسها حبة منوم وتغط في العسل, فالتلوث الميمون حلال المشاكل, سيقوم بحصاد فائض النمو على نحو حثيث, بفضل الإهمال والتغاضي والفساد, هذا إذا لم تقض أساساً على فرص الحياة في هذه البقعة الزاهرة من الكرة الأرضية.

يبقى الأمر المحير فعلاً, هو ما السبب الحقيقي الذي أدى إلى صحوة المعنيين بالبيئة, كي يقوموا بدراسة عن تكاليف التلوث؟! المؤكد أن السبب لا يتعلق بالحرص على صحة البشر, لأن العافية في بلادنا هي الأرخص سعراً حتى من الحجر, وإلا لما تأخرت دراسات التلوث حتى طغى خطبه وغصنا فيه إلى قراقيط الآذان, وحينما أعلنت النتائج, أُعلن عنها كمنجز فلتة, يستحق زهر ودربكة وزفة عروس نباهي به الأمم, ومع ذلك نتمنى ونأمل ألا يخيب رجاءنا ولا تمنياتنا, وتكون هذه الدراسة التي ستبدأ من حساب التلوث في الهواء, ألا تنحرف عن أهدافها, وتأخذ بالتنقيب عن الأوكسجين النقي وطرحه للاستثمار السياحي, أو تسعى الى القبض عليه متلبساً, فتجري تقنينه ­ وضعه في قنينة ­ وتبيعه للمواطن مثل الكوكا كولا, دون إغفال ضريبة الرفاهية, لأن سياسة وزارة المالية التشليحية انتصرت على ذاتها في الطموح لتشمل كل متعلقات الحياة من تراب وماء وهواء.

فأن يجد المرء مساحة لسقوط رأسه في تراب الوطن ترف, وشرب الماء من الحنفية مباشرة رفاهية, والإسراف في تنشق هواء عليل يصل الى الشُعب التنفسية, في مدن مثل دمشق وحلب وحمص هو منتهى البذخ, مع أنه كما يقال والعهدة على الرواة على مر العصور, أنها كانت قطع من الجنة, وصارت اليوم نماذج تمهيدية عن جهنم, بدليل معلومات جريدة «الثورة» التي تفيد بأن أعمال الدباغة تشكل المسؤول الرئيسي عن تدهور أوضاع البيئة في دمشق, حيث تعمل 240 دباغة, من خلال ورش وتقنيات متخلفة تستخدم الملوثات بشكل جائر, مع ارتفاع كبير في مستوى الموارد العالقة في هذه المياه يصل إلى 3600 بالليتر في حين أن المعدل المسموح به يجب ألا يتجاوز 200 ملغ بالليتر!! أما سؤال كيف تُركت الدباغات كل تلك الفترة لتفتك بالمياه والبيئة, فأمر متروك للغيب والإهمال, الأهم الآن قلع عين المواطن بأرقام تكاليف الدراسات التي ستجرى لحساب كمية التلوث في الهواء من خلال ثلاث محطات رصد في ثلاث مدن €حمص­ حلب­ دمشق€ وبكلفة 300 مليون دولار, واعتماد سيارة مخبرية متنقلة ومخبر ثابت في كل محافظة لقياس ملوثات الهواء؛ والتي سبق للبنك الدولي بالتعاون مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة أن قام بتقدير التكلفة الاقتصادية لتدهور البيئة السورية في العام 1998 بنحو 32 مليار ليرة منها ثلاثة مليارات تكلفة تلوث الهواء في المدن السورية, وتوقعت الإحصاءات أن تبلغ التكلفة 40 مليار ليرة العام الحالي إذا لم تتخذ إجراءات كفيلة لحماية البيئة, ناهيك عن مشكلة خطر التصحر وارتفاع معدل الملوحة في الأراضي, ستكلف 17 مليار ليرة خلال العام الحالي!!

ترى إذا صدق البيئيون وتمكنوا من انتزاع تلك الأموال لإنقاذ البيئة, من أين سيغطونها, من جيب المواطن العاثر الحظ, أم من جيب مسؤولين أهملوا تلك المشاكل حتى استفحلت واستحال حلها؟ وإذا أضفنا أرقام تلك التكاليف الى أموال النهب والفساد, ماذا سيبقى للتنمية والتطوير والتحديث؟ أو ماذا سيبقى في سوريا لنغني لها بالصوت العالي, كلما حاصرتها نوائب الضغوط الخارجية, وفزعنا لنصرتها: جنة جنة جنة سوريا يا وطنا.