أنــــور بيجــــو (بالاتفاق مع مجلة أبيض وأسود)

لطالما تغنّت الأحزاب القومية بنظرياتها ، من بين ما تغنّت به ، وتثبيتاً لصحة نظريتها القومية ، بوحدة العادات والتقاليد ، أو العادات والتقاليد المشتركة ، التي ترجح أننا أمة واحدة !!

ولطالما أضحكني بمرارة ، وقد أشرت إلى ذلك في إحدى الكتابات ، ذلك المشهد الذي يصفعك وأنت تنتقل بين ( المنار ) وبين الـ ( L.B.C ) في لبنان ، كذلك المشهد وأنت تنتقل بين مدينتين صغيرتين في الشام لا يفصل بينهما أكثر من الكيلومتر الواحد سوى القليل .... أي بين تلك الكثرة من الثياب والتي تكاد لا تترك أن يبين من الجسد شيئاً ، وبين تلك الندرة من الثياب التي تكاد لا تخفي من الجسد شيئاً ... وهنا أرفض التحدث من الناحية الدينية ، وشرعية تلك الكثرة أو تلك الندرة من الثياب ، وتوافق هذين المشهدين أو تعارضهما مع الإسلام أو المسيحية ، أشير فقط إلى ذلك التغني القومي عن وحدة العادات والتقاليد !!! إلى تلك ( الوحدة الروحية ) والتي أحد أوجهها العادات والتقاليد ، ( الوحدة الروحية ) التي يفترض أننا سنواجه بها كل تلك التحديات ، والتي ندعي أنها تهدد مصيرنا ووجودنا !!! أشير إلى تلك ( الوحدة الروحية ) التي ( إن لم تكن موجودة ) فلا داعي للحديث عن أي إصلاح سياسي أو اقتصادي أو إداري .... أو عن أية أولويات في الإصلاح ، أو حتى عن أي شيء آخر .... !!!

السؤال : هل نحن مجتمع واحد أم مجاميع ؟؟ وإذا كان من حق الأفراد أن تكون لهم في المجتمع الواحد ، مطالب خاصة مختلفة ، فهل يمكن أن يكون لمجتمع واحد مطالب ومصالح عليا مختلفة ؟؟ هل نكون عندها مجتمعاً واحداً ؟؟ .... هل العادات والتقاليد حتى في المذهب الواحد هي واحدة ؟؟ وكيف هو الحال إذن بين مذهبين من طائفة واحدة ؟؟ وكيف هو الحال في النهاية بين طائفتين أو عرقين ؟؟ وإلى ماذا يشير هذا الاختلاف ؟؟ هل يشير هذا الاختلاف إلى غنى الحياة الاجتماعية ؟؟ أم يشير هذا إلى غنى في فرص التصادم والتناحر والاختلاف على المطالب العليا ؟؟ ... هل الواحد ينظر إلى عادات وتقاليد الآخر المختلف بتقبل وتفهم واحترام ؟؟ وهل هذا الاختلاف يتقلص أم أنه يزداد امتداداً وعمقاً ؟؟ وهل ثقافة التجاهل إن لم نقل التحايل ، وتدبيج الخطب عن الوحدة الوطنية والروح الوطنية ، يمكن أن يغير الحقائق أو يضمن مستقبلاً آمناً ؟؟ أم أن مواجهة الحقائق والإقرار بها ، هو الخطوة الأولى للتقدم الآمن ؟؟ ثم لماذا لا تظهر عندنا الروح الوطنية إلا عند الملمات والمحن ؟؟ أليس التطوير والتحديث ، وبناء الحياة الراقية والتقدم العلمي والاقتصادي ، وإقامة الدولة الحديثة ، ألا يحتاج كل هذا إلى روح وطنية أكثر اتقاداً وأكثر استمراراً في الاتقاد ؟؟ ومن هي المؤسسات المسؤولة عن إزالة الحواجز الاجتماعية بصورة عامة ، والدينية بصورة خاصة ، وعن تنمية الروح الوطنية ، وفي الآن عينه ؟؟ وهل تقوم هذه المؤسسات بدورها ؟؟ أم أنها تقوم بنقيضه ؟؟

أتحدث كمواطن ، وأنا أرى ما أرى وأسمع ما أسمع وأشعر بما أشعر ، فأقف على أطراف منزلق اليأس ، لا يفصلني عنه سوى القليل القليل .... بضع دقّات على أبواب الصراع الداخلي ... بعض استجابة ( للفوضى الخلاّقة ) .... تشدد من هذه الجهة ، أو تحدّ من تلك ، وعود بدون عقود ، وخطط بدون إنجاز ، ثقافة أوهام ومتوهمين ، ( افتتاحيات ) لأبطال من وزن الذبابة يعدونك بانطلاق ( مسيرة النور ) وهم لا يتقنون إلا ( كونشيرتو ) الظلام ..... ثقافة الانتقاد للآخر دون امتلاك خطوة أولى لأي مشروع بنائيّ .... معارضة وموالاة لا يوحدهم سوى ( العجز ) عن تقديم أية مبادرة عمليّة حقيقية فاعلة ....

.... مقابل كل هذا ، وأنا أتصفح نشرة سوريا الغد ، أقرأ مقالة / خبراً لشعبان عبود في صحيفة النهار ، عنوانها : ( مسلمون ومسيحيون في القصير السورية يتبادلون الصلوات في الكنيسة والمسجد ( ، ويكفي ، وهذا لا يغني ، أن ننقل خاتمة هذا المقال / الخبر : (( وفي الجامع رحب المفتي بالمطران وصحبه الى المنبر ليلقي خطبة. وبدوره قرأ المطران الفاتحة قبل أن يخطب في جموع المصلين. ولدى انتهائه توجه الى المفتي بالقول: "أنت لا تستحق فقط أن تكون مفتي القصير بل مطرانها، وأنا أهديك عصا الرعية لتقوّم بها كل مسيحي لا ترى فيه مسلماً حقيقاً" في مشهد مؤثر للغاية. ))

هذا بعض من تفاصيل الاحتفال المأثرة كما ورد في الخبر ، وبداية ، هنيئاً لأهل ( القصير ) ، تلك الطريق المعبّدة والأقصر إلى الله ، هنيئاً لهم أبطالهم مطراناً ومفتياً ، شيخاً وكاهناً ، أبطال الأفعال لا الأقوال ، هنيئاً لهم فعل الإزالة والبناء ، وليس الأناشيد التي لا تستقر فعلاً في الأرض ولا أملاً في السماء ، هنيئاً لهم الإزالة .... إزالة الحواجز المقيتة المعطلة لدورة الحياة الواحدة ، وهنيئاً لهم البناء .... بناء الجسور الموصلة إلى وحدة الحياة لا وحدة العيش والتساكن .

أن تختلف العادات والتقاليد بين مناطق الوطن ، فهذا شأن عادي وطبيعي ، والموضوع هنا لا يتناول هذا الاختلاف الشكلي ، بل يتناول التناقض الحاد بين هذه العادات والتقاليد من حيث جوهر مرجعيتها الدينية ، خطورة الموضوع حين تعتبر جماعة ما ، عادات وتقاليد جماعة أخرى ، متناقضة مع جوهر قيمها الاجتماعية بصورة عامة والدينية بصورة خاصة .

ومهما بذلت الحكومات ومؤسسات الدولة من جهود ، ومهما كانت هذه الجهود صادقة ، فإن الأمل بارتقاء المصالح العليا للوطن في السياسة أو الاقتصاد أو الإدارة .... دون تثبيت الهوية الحضارية له .... هذا الأمل هو في الحقيقة ، حين يترافق مع روحيات اجتماعية ، وليس مع وحدة روحية ، هو وهم ناجز . وليست قيمة الاحتفال المأثرة السابق الذكر في القصير ، سوى أنه نموذج حسيّ عمليّ ، يشرّع الأبواب أمام تفاعل الجماعات في الحياة ، بدل اشتراكها في العيش . وهذا التفاعل حين تُتخذ ، مع الوقت ، الإجراءات المناسبة لتعزيزه أكثر فأكثر ، فهو واصل لا شكّ ومهما طال الزمن ، إلى وحدة روحية ، وواصل إلى أن تتحول الجماعات إلى جماعة ، والمجاميع إلى مجتمع واحد موحد الهوية الروحية والحضارية ، وموحد في المطالب والمصالح العليا . عندها يصبح التمسك بالدين ومعرفة الله ، هو حوار وجداني داخلي بين الأنا والأنا الأعلى ، وليس سبباً قوياً للصراع مع الآخر . 18 – 5 – 2006