د.احمد مجدلاني

وصل الحوار الوطني الفلسطيني الليلة قبل الماضية إلى مصيره المحتوم ، أي عدم القدرة على صياغة موقف مشترك مابين القوى السياسية والمجتمعية الفلسطينية، يوحد الخطاب السياسي الفلسطيني حكومة ورئاسة ومؤسسات ومجتمع مدني وأهلي ، من اجل الانطلاق لمواجهة العالم وتحشيده للوقوف معنا في مواجهة خطة أولمرت لاستكمال الفصل الأحادي الجانب والذي يرسم الجدار حدود الكانتونات الفلسطينية المقبلة .

لقد راهن الكثيرون على الحوار كمخرج من الأزمة الطاحنة التي تعصف بالوضع الفلسطيني شعبا وقضية وكيانية سياسية ، جراء العزلة السياسية والحصار الاقتصادي الذي يطال الشعب الفلسطيني بكل فئاته واتجاهاته ولا يميز بين طرف وآخر . ومنذ أن أطلق الرئيس أبو مازن فكرة الاستفتاء في سياق كلمته بافتتاح مؤتمر الحوار الوطني، كخيار أخير فيما إذا لم تنجح القوى المجتمعة بالوصول لاتفاق على وثيقة الوفاق الوطني التي أطلقتها قيادة الحركة الأسيرة ، وفي ذات اليوم وأثناء انعقاد المؤتمر أطلقت عديد المواقف المؤيدة أو المتشككة أو الرافضة لاستفتاء الشعب والعودة له باعتباره مصدر السلطات والتشريع فيما يتعلق بحاضر ومستقبل القضية والكيانية الوطنية .

هذه المواقف التي عبر عنها بمؤتمر الحوار وجدت تعبيراتها بالاصطفافات والمواقف في لجنة الحوار الوطني الفلسطيني والتي امتدت جلساتها على مدار حوالي عشرة أيام من الاجتماعات المتواصلة ، والتي تغيبت عنها حركة حماس بدعاوي مختلفة ، ومحاولة منذ اللحظة الاولى جعل مكان الحوار كقضية تفاوضية ، وإجرائية على حساب القضايا الرئيسية المتصلة بمضمون الحوار وهو وثيقة الاتفاق الوطني، ورغم أن ممثلي حركة حماس عند صياغة البيان الختامي لمؤتمر الحوار الوطني ، كانوا قد ابلغوا أنهم معترضين على بندين من بنود الوثيقة ، وقد تم التوافق على بند منها بالاستناد إلى نص اتفاق القاهر المتصل بتفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية ، في حين بقي البند المتعلق بخطة للتحرك السياسي المستندة لقرارات الإجماع الوطني ومبادرة قمة بيروت ، وقرارات الشرعية الدولية . وكان من المفترض أن يشكل التباين على هذا البند جوهر الحوار رغم تلقي لجنة الحوار وعدا بان قيادة الحركة تدرس فتوى سياسية سوف تقدمها خلال أيام قليلة قادمة .

لقد شكل انطلاق مؤتمر الحوار الوطني الفلسطيني نقل للأزمة الداخلية الفلسطينية من طور كانت فيه مهددة بالتفجر ومن ثم جر الشعب الفلسطيني إلى دوامة الاقتتال الداخلي الذي لن يكون فيه منتصر ومهزوم سوى الشعب الفلسطيني وقضيته ، وخصوصا بعد الاحتقان الشديد الذي وصل إليه الشارع من تعبئة وتحريض وتخوين وتكفير من على منابر المساجد ووسائل الإعلام الأخرى. الانتقال من حالة إلى أخرى يعنى أن الفلسطينيين بمختلف اتجاهاتهم قد اخذوا خيار الحوار لحل مشاكلهم الداخلية ، بعيدا عن لغة التهديد والتخوين والتكفير ، وبعيدا أيضا عن التدخلات الإقليمية والمصالح الضيقة التي ترى في ارتفاع وتيرة التوتر الداخلي الفلسطيني ، بما في ذلك مع الاحتلال عنوان لازمة شاملة في المنطقة ينبغي حلها كرزمة واحدة استنادا لحل توافقي مع الولايات المتحدة وعلى أساس تعزيز وتقوية موازيين القوى لهذا الطرف أو ذاك .

الفلسطينيون يدركوا قبل غيرهم ونتيجة تراكم خبرة طويلة حساسية القضية الفلسطينية وحساسية تحولها إلى طرف في صراع إقليمي ودولي ، وباعتبارها قضية موحدة للعالم العربي والإسلامي ، وللقوى المحبة للسلم والعدل في العالم ، فإن المقوم الأول لهذا الالتفاف ينطلق من رؤية وبرنامج فلسطيني بتقاطع ويلبي في حدوده الدنيا الأسس المشتركة لما يمكن أن نسميه إجماع دولي وعربي وإسلامي .

وبدون ذلك فإن لغة الإجماع السياسي تلك تفقد القضية والشعب الفلسطيني وقيادته إحدى أهم الأدوات السياسية التي تمكنهم من إحداث التوازن المختل أصلا لصالح إسرائيل ومن يقدم لها الدعم والإسناد اللا محدود .

الأزمة بالأساس هي ذات طابع سياسي بحت وقد تجلت هذه الأزمة قبل الحوار وخلال جلسات الحوار، وبصرف النظر عن تجلياتها المختلفة في أشكال الصدام بين الرئاسة والحكومة أحيانا على ما يمكن أن يسمى تنازع صلاحيات ، أو على التوترات الداخلية كانعكاس لرد فعل طبيعي عن تفاعلات الأزمة بين قطبي الصراع الرئيسين وحالة الاستقطاب الحادة في المؤسسات الرسمية وفي المجتمع بآن معا .

الأزمة سياسية وبرنامجية وهذا لم يكن بخافيا على احد وان تكرس ذلك بوصول الحوار إلى طريق مسدود بسبب تمسك قيادة حماس ببرنامجها الذي يتصادم في مفاصله الرئيسية مع الشرعيات الثلاث، الفلسطينية وقرارات الإجماع الوطني قرارات المجلس الوطني، ووثيقة إعلان الاستقلال ، وقرارات الشرعية العربية مبادرة السلام العربية التي أقرت في القمة العربية ببيروت ، وقرارات الشرعية الدولية التي تشكل السلاح الأمضى بيد الفلسطينيين الآن لمواجهة الخطر الداهم والمتمثل بمشروع الحكومة الإسرائيلية أو الذي يطلق عليه أولمرت تلطفا مشروع الانطواء وهو المسمى الجديد للحل الأحادي الجانب الذي أطلقه ونفذ الجزء الأول منه شارون الصيف الماضي في قطاع غزة بالانسحاب الأحادي الجانب، في حين يشكل جدار الفصل والتوسع والضم العنصري الركيزة الأساسية للمشروع، لكونه سيرسم ليس الحدود الكانتونية (للدولة الفلسطينية) المستقبلية فحسب، وإنما سيرسم ومن جانب واحد وبدون تفاوض وتحت ادعاء لا شريك تفاوضي حلا أحادي الجانب سيديم الصراع إلى اجل غير معروف .

التصادم مابين برنامج الحكومة والتي جاءت بانتخابات ديمقراطية لا غبار عليها ، ولا تشكيك أطلاقا بنزاهتها وشفافيتها ، وما بين قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية ، والذي يجد تعبيراته في العزلة السياسية والحصار الاقتصادي والضغوط الدولية المتوالية ، والتي هبطت بمستوى القضية الفلسطينية من قضية شعب يسعى من اجل العودة والحرية والاستقلال والدولة ، إلى قضية إنسانية واغاثية كما هو الحال في عديد من بقع العالم التي تشهد توترات داخلية أو عرقية .

هذا التحول في الموقف الدولي ليس فقط نتاج تأمر دولي لتغيير الأولوية لديه وليس نتاج نجاح الحكومة الإسرائيلية والحركة الصهيونية العالمية بتجنيد موقف دولي ، اطهر الحكومة الفلسطينية كجزء من معسكر الإرهاب العالمي، الذي يعتبر مواجهته المهمة الأساس له الآن متخذا من أحداث 11 أيلول سبتمبر الذريعة لهذه الحرب . المشكلة في أن خيارات الحكومة والقيادة السياسية للحركة لا تعير أهمية كبيرة لمعادلة الولية والإقليمية وتراهن على الزمن لكسر هذه العزلة والحصار السياسي والاقتصادي استنادا إلى ما يسمى إعادة تفعيل العمق العربي والإسلامي وكان هذين العالمين يعيشان بمعزل عن التأثيرات الدولية ، أو أنهم لا يتفاعلان بهذه الدرجة أو تلك مع تلك التحديات المفروضة على الأجندة الدولية وخاصة ما يسمى بالحرب على الإرهاب ، ولسنا بحاجة إلى التذكير مواقف الدول المؤثرة والفاعلة في هذين العالمين من التدخل والعدوان الأمريكي في أفغانستان ، والعراق واستعداد الولايات المتحدة وجزء كبير من تحالفاتها لتكرار ذلك مع إيران أو أي بلد آخر .

هذه الرهانات على عوامل لا أفق منظور لها بإحداث تحولات في موازين القوى لإرغام العالم على القبول والتعاطي مع برنامج الحكومة ، هو من قبيل الرهان على الزمن ، والذي يسير بخطى عكسية متسارعة ولا يصب في مصلحة الشعب الفلسطيني ومشروعه التحرري، فمشروع أولمرت يسابق الزمن في ترسيخ وقائع مادية على الأرض رغم تعهده للإدارة الأمريكية في زيارته الأخيرة بإعطاء فرصة عدة اشهر للشروع بتطبيق ما يسميها بخطة الانطواء ، والأزمة الاقتصادية والاجتماعية تتفاقم يوميا إلى درجة قد تدفع إلى الانفجار الداخلي ، مما لا يبقي لا على سلطة ولا على مؤسسات يختلف عليها أو بها .

الحوار وبالاستناد إلى وثيقة الوفاق الوطني والتي تبنها الرئيس أبو مازن وغالبية القوى السياسية جاءت كمخرج من الأزمة، بما تحمله من توازن سياسي بين مكونات القوى الموقعة عليها والموافقة عليها ، وما تحمله أيضا من بعد معنوي كبير لشخوص الموقعين عليها وتنزههم عن أية مصالح شخصية أو تنظيمية ضيقة ، لكن الحوار لم يتوفر له احد أهم شروط النجاح وهو حسن النوايا والاستعدادات من جانب قيادة حركة حماس وعدم استعدادها سوى لفظيا للتراجع خطوة أو خطوات عن مواقفها المسبقة لصالح الوصول لقواسم مشتركة تجمعها والبرامج الأخرى . وقد كان من المؤمل أن تشكل وثيقة الحركة الأسيرة السلم الملائم لها والذي يمكنها من النزول عن الشجرة التي صعدت إليها وبالغت في الصعود إلى قمتها بعد الانتخابات مأخوذة بنشوة الانتصار وافتتان القوة ،للنزول إلي أرضية الواقعية السياسية والتلاقي مع الشرعيات الثلاث .

ومن هنا فإن أية تفسيرات أو تأويلات تطلق من بعض الناطقين باسم الحركة بان لا داعي للذهاب إلى استفتاء ، وان الرئيس قد افشل الحوار قبل أن يبدأ ، أو أن سيف الاستفتاء قد سلط على الحوار بتحديد سقف زمني له ، وان لا شرعية للاستفتاء ولا يمتلك الحق بالدعوة له، والى ما هناك من تشكيك بشرعية الرئيس وأحقيته بالدعوة للاستفتاء، تشكل الوجه الآخر لعملة المماطلة والتسويف والتمديد، وفتح سقف الحوار إلى مدى زمني غير محدد ، وربطه بنتائج الحوار على تفعيل وتطوير المنظمة أو بما يسمى بلغتهم إعادة صياغة المنظمة على أسس سياسية وتنظيمية جديدة، وكأننا نمتلك ترف الوقت والحوار إلى ما لانهاية . إن كل هذه التقولات قد فضحت ليس فقط المخاوف من نتيجة الاستفتاء والتي يحاول البعض التذاكي والالتفاف عليها واعتبار أن الاستفتاء هو عبارة عن انقلاب دستوري على نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت قبل عدة اشهر . لكن أيا كانت التبريرات المساقة لرفض اللجوء للاستفتاء كخيار ديمقراطي بعد فشل الحوار والذي لم يكن يتمنى أحدا يشعر بالمسؤولية الوطنية أن يفشل ، انطلاقا من تحليل مفاده أن الاستفتاء قد يلغى نتائج الانتخابات في حين ان الاستفتاء لا ولن يمس بالنتيجة الديمقراطية التي أفرزتها الانتخابات ، والاستفتاء وسيلة ديمقراطية لحسم خلاف حول أزمة داخلية ومركبة ، لا يستطيع احد نكرانها أو التعامي عنها بدعوى أن العالم في أزمة وليس السلطة والشعب الفلسطيني .

غير أن التصريحات التي تصدر أحيانا وفي توقيات محددة ومدروسة لإيصال رسائل سياسية عن الاستعداد لهدنة طويلة المدى مقابل اشتراطات سياسية معينة تعكس رغبة إما ببقاء الأوضاع على حالها مع التعايش والقبول بما هو قائم أي بما يرسمه مشروع الانطواء والجدار ، أو الرغبة بالتوصل إلى اتفاقات كما يعبر عنه البعض لن نعترفن أو نقبل بكذا أو كذا بدون ثمن أو بالمجان ، وإذا كانت المسألة مسألة ثمن ومعروف من هو البائع والشاري ونوعية البضاعة المعروضة للمساومة وأطراف المساومة والوسطاء المقبولين إذا ما كان هناك حاجة لوسطاء ، تتضح الصورة من جانبها الآخر ، والرهان الذي قد يكون على إمكانية المساومة مع الأطراف المعنية الأخرى ، وعلى كافة القضايا المطروحة بدون المرور ببوابة دفع الثمن لأطراف داخلية ليس لديها ما تقدمه .

وإذا ما كان هذا الخيار مطروحا فعلا وهناك قنوات ما للبحث والأخذ والعطاء فيه ، فإنه لمصلحة من يقود هذه المغامرة أن يتسلح بموقف إجماع وطني واسع لتكون قدرته على المساومة اكبر وأكثر توازنا لإحداث اختراق سياسي ذا مغزى ومقنع.

ومن هنا فإن خيار الاستفتاء وقد أصبح المخرج الوحيد من الأزمة التي نعيش ، فإنه ينبغي أن ينصب النقاش ليس على مشروعيته أو عدمها بل ، كيف نخرج هذا الخيار الاستفتاء بنفس الشفافية والنزاهة والمصداقية التي أجرينا فيها الانتخابات التشريعية ، وكيف نوفر سبل مشاركة شعبية واسعة وعالية تفوق نسبة المشاركة بالانتخابات التشريعية .

أن مسؤولية حركة حماس الوطنية ومن موقع المسؤولية في السلطة والمجلس التشريعي التعامل مع موضوع الاستفتاء ليس كقضية خلافية تدفع نحو الانزلاق إلى تصادم داخلي قد يؤدي لنتائج خطيرة لا يستطيع احد التكهن بنتائجها ، وإنما عليها ومن هذا الموقع المسؤول اتخاذ واحد من الإجراءات التالية .

- إما ابدأ رأيها من الاستفتاء وتركه يمر واستخدام نتائجه من اجل أن يشكل لها مخرجا من أزمة داخلية محدقة كانت ستواجهها فيما لو أقدمت على تغيير برنامجها.
- وإما بدأ حملة تحريض وتعبئة واسعة مستخدمة كل ما تملك من إمكانيات، إما لمقاطعة الاستفتاء أو للتصويت ضده وإسقاطه ، وبالتالي تكسب جولة جديدة بالخيار الديمقراطي إذا ما نجحت، وهي كما يدعي بعض المتحدثين باسمها لديها أغلبية تفوق 60% وبالتالي فإن قدرتها على إفشال الاستفتاء ممكنة التحقيق وقد تفرض على الرئيس الذي اخذ هذه المبادرة والمغامرة على ترك موقعه لان الشعب لم يؤيده

- أو أن تلجأ قيادة حماس إلى تعطيل وإفشال الاستفتاء بالوسائل غير الديمقراطية ، وبهذا تكون قد خسرت الرهان الديمقراطي أولا ، وبينت أنها كانت انتقائية مع الخيار الديمقراطي من جهة ، ومن جهة أخرى فإنها تفتح الأبواب على اصطدام داخلي خطير وكبير قد يكون لها القرار بالبدء به لكن لن يكون لها القرار بوضع نهاياته وتحديد نتائجه ، ومما لاشك فيه فإن الشعب الفلسطيني وقضيته ستكونان الخاسر الأكبر والوحيد فيه . إن خيارات الشعب الفلسطيني في ظل الأزمة الطاحنة التي يواجه، وقد تكون من اشد وأعمق الأزمات التي واجهت نظامه السياسي منذ تشكله بقيام منظمة التحرير الفلسطينية قبل اثنان وأربعون عاما، لا يمكن ولا ينبغي أن تحل إلا على قاعدة الديمقراطية والانصياع إلى خيار الشعب وصوته وقراره .

رام الله 6.6.2006