هو اختبار مزدوج، للمعارضة السورية في المنفى التي تحاول أن تكتسب مشروعيتها الوطنية، وللنظام السوري الذي يسعى الى تجديد شرعيته الداخلية، في مرحلة تتسم بالكثير من اللبس والغموض بالنسبة الى سوريا ووضعها الداخلي وعلاقاتها مع محيطها والعالم.

المؤتمر التأسيسي الاول لجبهة الخلاص الوطني الذي اختتم أعماله في لندن امس الاول هو إشارة جديدة الى تزايد حدة الاستقطاب بين السلطة والمعارضة، اللتين تبدآن من نقطة الصفر، أو من النقطة التي توقف عندها الصراع السياسي في سوريا في الخمسينيات من القرن الماضي، قبل أن ينفجر بشكل دموي في فترة الثمانينيات المشؤومة. النص الذي أصدره المؤتمر التأسيسي يعلن استئناف ذلك الصراع، ويدعو هذه المرة الى حصره في الاطار السلمي، ويحث قوى المجتمع السوري والحزب والجيش والامن على المشاركة في الاستعداد لوراثة نظام اعتبرت جبهة الخلاص انه آيل الى السقوط.. لكنها لم تقدم دليلا واحدا على صحة تلك النظرية، التي دحضتها وقائع الاشهر القليلة الماضية، عندما أثبت الرئيس بشار الاسد انه أحكم بالفعل سيطرته على الاجهزة الامنية والسياسية، وشرع في شن هجوم وقائي على معارضيه في الداخل، وزج بعدد منهم في السجون.

في قياس أولي لموازين القوى يمكن الاستنتاج بسهولة أن الكفة تميل لمصلحة النظام الذي استعاد تماسكه الداخلي، بعد تعثر وارتباك سجل في مرحلة ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كما اطمأن الى وضعه الخارجي الذي لم يكن يتعرض لتهديد خطير .. برغم كل ما شاع في بيروت في تلك المرحلة، وكاد يوحي بأن التغيير في دمشق هو بين ليلة وضحاها.

لكن هذا الخلل لا يعني ان المعارضة التي تشكلت في لندن محكومة بالفشل. التوتر الظاهر في سلوك النظام هو مؤشر جدي الى ان الصراع يمكن أن يصبح متكافئا، لا سيما اذا التزم الطرفان بحدوده السلمية، ودخلا في منافسة حقيقية على كسب ود جمهور حائر فعلا بين عهد المحافظة على الاستقرار الداخلي العزيز في ظل التجربة العراقية المرعبة، وبين وعد الاحتكام الى دستور العام 1950 الذي يضمن تداول السلطة عبر صناديق الاقتراع وينظم إصلاحا حقيقيا للحياة السياسية المعطلة في سوريا.

لكن الحيرة الفعلية تكمن في مقدمات ذلك الصراع الذي بدأ للتو في سوريا بين نظام يتهم معارضيه بأنهم أدوات الخارج وبين معارضة تتهمه بأنه يتمتع بغطاء الخارج، الذي لم يعد هناك مجال للشك في أنه يريد ذلك الصراع من حيث المبدأ، ويود أن يستخدمه في مرحلة لاحقة، وقد لا يعارض تطوره الى فوضى ما .. كما قد لا يمانع ضبطه في حدوده السياسية. لا يعني ذلك ان المؤامرة قد بدأت على سوريا التي دخلت في مرحلة من الانكفاء على ذاتها وعلى معضلاتها الداخلية التي نجح الرئيس الراحل حافظ الاسد في تأجيلها أكثر من مرة.