سأل مذيع الجزيرة ، إبن المجاهد الكبير عبدالقادر الحسيني: ما هو شعورك عندما تتذكر والدك؟ رد الأخ غازي أصغر أبناء كبير ثوار فلسطين على تساؤل مذيع فضائية الجزيرة في برنامج زيارة خاصة قائلا: أولا أشعر بالفخر أنني إبن المجاهد عبدالقادر الحسيني وكذلك أشعر بالاعتزاز أنني إبن الشهيد الذي ضحى من أجل وطنه ، وكان مثالا في العطاء والانتماء وهو يحاول دحر اليهود ومنعهم من الاستيلاء على فلسطين.. ولا شك أنني أفاخر أنه ترك لنا إرثاً وطنياً يفاخر به الأبناء والأحفاد ، إنه كان مثالا في تحمل المسؤولية ولم يفرط بالأمانة ، وأعطى الدليل أن هذا الشعب فيه الأخيار الأبرار الذين لن يتوقفوا عن العطاء والتضحيات ، حتى يأذن الله بالتحرير ، لأن هدفهم في جهادهم كان رفع راية الوطن وليس جمع الأموال وبناء القصور.

ووصف الأخ غازي صفات المجاهد بأنها تجلت في سلوك عبدالقادر الحسيني الذي لم تخدعه الحياة ولم يمتلك من زخارفها شيئاً. وقال: ورثنا عن المرحوم والدنا ورثة نفاخر بها الأجيال.. لقد أمضى والدنا حياته مجاهداً متنقلا من موقع إلى آخر ، وعندما توفي وجدنا في مكان استشهاده هذه الكومة من الأشياء التي كانت هي كل ما امتلكه من عقار الدنيا،، وكشف الأخ غازي عن حزمة الورثة التي ورثها عن أبيه التي كانت بجانبه ، وهي عبارة عن بطانية من القطن ووسادة وكومة من الوثائق الورقية ، ومن بينها ورقة مالية قيمتها خمس ليرات سورية صادرة عن بنك سوريا ولبنان ، وكانت هي كل ما كان يمتلكه ، وكان هذا الميراث هو كل ما خلفه لنا ، ولكننا نعتز بهذا الميراث الذي يجب أن يكون ذلك حال كل المجاهدين الذين عليهم أن يعطوا وأن لا يمدوا أيديهم إلى مال الآخرين،،

أعظم المجاهدين وبالرغم من أن المجاهدين في تاريخ الثورات الفلسطينية المتعاقبة لا يعدون ولا يحصون إلا أن عبدالقادر الحسيني يعتبر واحداً من أئمتهم وأعمدتهم وهو الذي كان بينه وبين تحرير فلسطين مسافات قليلة عندما حاصر القدس ، وكاد مئة ألف يهودي يستسلمون ، إلا أن الهزيمة التي لحقت به بل بفلسطين والعرب والمسلمين ، لم يكن هو المسؤول عنها ، كما لم يكن أي فلسطيني من قبل مسؤولا عن هزائم الثورات العديدة التي كانت مضرب الأمثال في التضحيات والشجاعة والفداء.. عندما حاولوا في مجلس الأمن وفي الولايات المتحدة توصيل الماء والغذاء إلى اليهود المحاصرين في القدس من قبل قوات عبدالقادر الحسيني بعد أن نفد سلاحهم وشرابهم وغذاؤهم كانت شروط عبدالقادر الحسيني قوية وحاسمة ، وهي أنه لن يرفع الحصار عن القدس إلا إذا استسلم اليهود فيها دون شرط أو قيد،، ووصفت إذاعة لندن في نشراتها الإخبارية الوضع المثير في القدس: وهي أن المناضل العربي برهن على تفوقه على اليهود المكتملين العتاد والذخيرة والسلاح عندما يلتقيان في معركة مكشوفة.

مسلسل فضائية الجزيرة وتجري فضائية الجزيرة هذه الأيام لقاء مع السيد غازي الحسيني النجل الأصغر لأكبر المناضلين الفلسطينيين ، تبحث فيه عن المرحلة التي قاد فيها والده الشهيد نضال الشعب الفلسطيني ، الذي كاد يؤتي ثماره ولكن كما هو شأن القضية الفلسطينية المنحوس ، يأتي في الوقت المناسب من يتدخل في شؤونها فتفشل الريح في بلوغ مرادها. ولقد أسعدني الأخ غازي الحسيني في الحلقة الأخيرة أن استعان بوثيقة كنت أنا أول من كشف عنها ونشرتها في كتابي دير ياسين - جذور ـ وأبعاد الجريمة في الفكر الصهيوني ، الذي صدر عام 1978 وتلك الوثيقة كشفت ليس سبب فشل الحصار الذي فرضته منظمة الجهاد المقدس عام 1948 على الأحياء التي يسكنها اليهود في مدينة القدس ، بل كشفت الأسباب الحقيقية لفشل نضالات وتضحيات الشعب الفلسطيني في تحرير وطنهم،، حصار 100 ألف يهودي

واستطاعت منظمة الجهاد المقدس أن تحكم حصارها على مدينة القدس وتمنع وصول الإمدادات العسكرية والغذائية لمائة ألف يهودي كانوا يعيشون في القدس ، وتبين أنهم مئة ألف مقاتل يحتمون بأحدث الأسلحة ، ولكن عبدالقادر الحسيني الذي اتخذ قيادة له على جبل القسطل الذي يطل على القدس من جميع نواحيها ، استطاع أن يشاغل الإسرائيليين في داخل القدس حتى نفدت ذخيرتهم ونفد تموينهم من طعام وشراب وارتفعت أصواتهم تنادي بالنجدة ، في الوقت الذي فشلت فيه محاولة الهاجاناة ، أهم تنظيم عسكري إسرائيلي مع كافة المنظمات الصهيونية العسكرية من تأمين مجرد الوصول إلى الأحياء التي يسكنها اليهود في القدس: فأخذ موشي شرتوك رئيس وزراء إسرائيل وجميع التنظيمات اليهودية في العالم تدق الأبواب في كل مكان لرفع الحصار عن المئة ألف يهودي الذين أشرفوا على الموت جوعاً وعطشاً.

الجامعة العربية.. دائماً والمعروف أن الجامعة العربية التي طلبت من الجيوش العربية دخول أرض فلسطين حتى حدود التقسيم ، كانت قد تعهدت بتزويد التنظيمات الفلسطينية بالسلاح من خلال اللجنة العسكرية التي أنشأتها ، وجعلت قيادتها في دمشق وعندما اشتدت عملية الحصار في القدس وازدادت حاجة المجاهدين إلى السلاح ، أخذوا يشعرون أن شيئاً ما قد حدث وأن اللجنة العسكرية بدأت تتقاعس في تزويد المجاهدين بالسلاح ، وخاصة أولئك في الجهاد المقدس الذي أحكموا الحصار على القدس بصورة بطولية ، كادت تنهي مشكلة الوجود اليهودي في القدس ، بل في فلسطين وعندما شعر عبدالقادر أن هناك نقصا في سلاحه ، أخذ يوفد المندوبين الشخصيين إلى دمشق لاستعجال وصول السلاح ، وبعد أن بعث ثلاثة وفود وقاربت ذخيرته على النفاد ، قام هو شخصياً بالتخلي عن قيادة أخطر معركة في تاريخ القدس ، وتوجه إلى دمشق واجتمع مع جنرالات اللجنة العسكرية التابعين للجامعة العربية والذين كانوا مسؤولين عن تزويد المجاهدين بالسلاح لمواصلة الصمود أمام الجيوش اليهودية التي بدأت تتدفق من جميع أنحاء أوروبا ،

لإنقاذ اليهود وفك حصار القدس الذي أحكم أطواقه عليهم ، وعندما لم يستطع أن يحصل من اللجنة العسكرية على بندقية واحدة ولا على رصاصة واحدة ، لمواصلة معركة حصار القدس واستسلام مائة ألف يهودي كانوا على وشك الاستسلام ، عاد القائد المجاهد في سبيل الله إلى ساحة المعركة التي أخذت تخفت من جنباتها أصوات النيران ، بعد أن انقطعت كل وسائل تزويد المجاهدين بالذخيرة والسلاح وعندما وصل عبدالقادر الحسيني إلى مقر قيادته في جبل القسطل وأخذ يجول بناظريه في كافة أنحاء القدس التي كانت ممتدة نحو الأفق من أمامه ، وعندما ألقى نظرة على واحد وثلاثين مجاهداً كانوا لا يزالون حوله يشاغلون القوات الإسرائيلية والنجدات التي بدأت تصلهم من أوروبا ، لاحظ أن طلقات رشاشات زملائه أخذت تخف وهي تقتصد في محاولة لكسب الوقت: فأدرك أن الذي حدث ليس من صنع القدر ، لأنه ورجاله حققوا كل فرص الصمود والنصر ، إلا أن انقطاع السلاح عنهم فجأة ، كان هو المفاجأة ، وكان هو الذي عجل في تغيير مجرى التاريخ،،

دموع المجاهد الكبير ومع شروق يوم السادس من نيسان 1948 سقطت دمعة حرّى على خد أشجع الأبطال ، عندما أمسك قلمه وأخذ يخط برقية بعثها في الحال إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية في القاهرة ، قال له فيها: إنني أحملكم المسؤولية كاملة بعد أن تركتم جنودي في أوج انتصاراتهم بدون عون أو سلاح،، وهذه البرقية الوثيقة كنت أول من كشف عنها عندما أصدرت كتابي دير ياسين الذي كشفت فيه أن حجب السلاح عن عبدالقادر الحسيني ورفاقه كانت البداية الحقيقية لتصفية قضية فلسطين وقيام دولة إسرائيل لأنه بعد أن أرسل عبدالقادر الحسيني.. تلك البرقية وكان هو وزملاؤه يعيشون في الرمق الأخير من الجهاد: إذ في اليوم التالي من إرسال البرقية استشهد عبدالقادر الحسيني ورفاقه في القيادة البالغ عددهم واحدا وثلاثين بطلا ، ووجدت بنادقهم ورشاشاتهم بدون طلقة واحدة ، وهكذا سقطت قيادة الجهاد المقدس في القسطل يوم قام الصهاينة بأبشع مجازر ذلك الزمان بمجزرة دير ياسين التي كانت البداية لانهيار الصمود الفلسطيني وتدمير 483 قرية فلسطينية فيما بعد وتهجير شعب فلسطين من وطنه.

المجد لأشرف المجاهدين لم ينجح عبدالقادر الحسيني في أن يكمل حصاره لتخليص القدس وتحريرها من استيطان الأعداء ولكن بقي عبدالقادر الحسيني عظيماً وله أولاد وله أحفاد يفاخرون بأنه ترك لهم ورثة قدرها خمس ليرات سورية ، بالرغم من أنه كان بإمكانه أن يمتلك نصف فلسطين ، لو ساوم وألقى السلاح ، كما يحصل مع الذين يخونون الوطن والمسؤوليات ويلقون السلاح،، ولكن عبدالقادر الحسيني لم يكن وحده في الشرف والخلود: ففاتح القدس البطل صلاح الدين الأيوبي عندما توفي ، لم يترك لورثته غير سبعة وأربعين درهماً ، والبطل جمال عبدالناصر بعده لم يترك لورثته غير سبعين جنيهاً مصرياً ، وكانت هذه هي رحلة كل عظماء التاريخ الذين لا يبيعون أوطانهم: فجميع الأنبياء على الاطلاق ماتوا فقراء إذا استثنينا سليمان الذي ترك ورثة لا تحصى ، لأن قومه كانوا وما زالوا يحبون المال ويعتبرونه وسيلتهم في شراء ذمم الآخرين، هل نقول أننا بعد قصة عبدالقادر الحسيني قد أصبحنا نعيش بلا أمل وبلا هدف لأنه لم يعد يرعبنا شيء.. فقد بيعت عروق الكبرياء.. وأنه لم يعد بوسعنا أن نتكلم بل المسموح فقط أن نتألم؟، لا.. لا..

ما دام في التاريخ صلاح الدين وعبدالقادر الحسيني ، فإن في المستقبل حافزا يصرخ فينا باستمرار: إمسح دمعاتك يا وطني.. فالحلم أطل مع الحجر.. ولا بد من الفرج القريب،، ومن حقك يا أخي غازي أن تفاخر الدنيا أنت واخوانك بل ونحن معك ، أن الذي يعيش هو صاحب ذكريات الشرف والكرامة والتضحيات أمثال عبدالقادر الحسيني الذي بنظافة يده وعقله وضميره يقود الشعوب لتحيا وتعود القضايا لتنتعش ، وفلسطين يوما ما ستعود لأن الذين يسيرون على طريق عبدالقادر الحسيني يتكاثرون في هذه المرحلة ، وسيصبحون هم القاعدة ، وغيرهم من المستسلمين هم النشاز والاستثناء،،