تزداد شهرا بعد شهر، الدلائل التي تشير إلى تنامي دور المملكة العربية السعودية في رسم القرار الرسمي العربي. فالرئيس المصري حسني مبارك يحرص على ترتيب لقاء مع الملك عبد الله في شرم الشيخ قبل استقباله لايهود اولمرت، رئيس وزراء إسرائيل الجدبد. والملك عبد الله الثاني، ملك الأردن، يحرص على زيارة الرياض للتباحث مع ملك السعودية قبل استقباله لأولمرت في عمان. وهكذا تبرز ثلاث عواصم عربية متحركة وفاعلة في إطار ما يسمى الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وإن كان لتحرك كل عاصمة نكهة خاصة بها.

السعودية تبحث وتركز على تفعيل الدور العربي، من خلال التركيز على تفعيل «المبادرة العربية»، والتي هي مبادرتها في الأصل، لتكون ناظما للتحرك السياسي العربي العام.

مصر تبحث لنفسها عن دور عربي، وهو غالبا ما يكون دورا يتعامل مع الإشارات الأميركية، وإلا ارتفعت الأصوات في أميركا منتقدة الدور المصري غير الايجابي، ومركزة على التمردات المصرية الداخلية، من مظاهرات حركة كفاية إلى احتجاجات القضاة مرورا بالحكم على أيمن نور.

أما الأردن فإن تحركه يتخذ دورا أكثر وضوحا، فهو يعلن رفضه القاطع لخطة اولمرت التي تتضمن احتلالا إسرائيليا مستديما على حدوده عند نهر الأردن، وهو احتلال يريد أن يكون مدعوما بجدار فصل إسرائيلي تراقبه وتحميه قوة عسكرية إسرائيلية. كما أنه احتلال لا يكف عن الحديث المتواتر عن حل «الوطن البديل»، وبه يروج الإسرائيليون للدولة الفلسطينية في الأردن ما داموا يتطلعون إلى الاستيلاء على أكثر من نصف الضفة الغربية وضمها إلى إسرائيل. وهو ما دفع ملك الأردن ليجدد بشكل قاطع رفضه لهذا التوجه الإسرائيلي، وتأكيد دعم الأردن لمطلب الدولة الفلسطينية المستقلة القائمة فوق الأرض الفلسطينية، ومن دون أن يتأثر هذا الموقف بالحرب الأردنية الحاسمة ضد حركة حماس ونفوذها المتنامي داخل السلطة الفلسطينية.

ويمثل هذا الموقف الأردني لفتة خاصة، بسبب العلاقة المميزة القائمة بينه وبين واشنطن، وبسبب الرضى الإسرائيلي الكامل عن مسيرة معاهدة السلام الموقعة معه، بحيث لا تستطيع إسرائيل أن تصف الموقف الأردني بالعدائي، على غرار ما تفعل مع سوريا ولبنان.

ولكن ما هي النتائج العملية لمثل هذه اللقاءات العربية مع اولمرت؟ لقد عاد اولمرت من زيارة «التتويج» لواشنطن، من دون أن يحظى بدعم أميركي رسمي وعلني لخطته في فرض الحل المنفرد، وايضا من دون رفض أميركي رسمي وعلني لها، مع توجيه أميركي بضرورة اللجوء أولا إلى التفاوض مع «الشريك الفلسطيني» إن وجد. وبسبب هذا الموقف الأميركي، تسعى القوى العربية مجتمعة إلى استنباط ما يبدو أنه يشكل نجاحا. وترجمة ذلك أمران: الإعلان بأن خطة «خارطة الطريق» الأميركية هي أساس العمل المعترف به دوليا. ثم الإعلان بأن تفاوضا فلسطينيا ـ إسرائيليا سيبدأ حول هذه الخطة. وهذا ما أسفرت عنه مباحثات اولمرت في القاهرة، وهذا ما ستسفر عنه مباحثاته في عمان، مع تشديد أردني منتظر حول رفض الخطة الإسرائيلية بسبب تداعياتها الأردنية.

ماذا سيكون المردود العملي لهذه المفاوضات؟

ما يبدو واضحا حتى الآن أن المباحثات لا تتركز حول مضمون المفاوضات المطلوبة، بل حول مبدأ المفاوضات. إسرائيل تريد أن تستطلع إذا كان من الممكن إجراء هذه المفاوضات أم لا، ثم تعرض النتائج على واشنطن للبت بها من جديد، وترجمة ذلك: هل سيقبل المفاوض الفلسطيني خطة اولمرت أم سيرفضها؟ فإذا رضخ وقبلها ستكون واشنطن راضية وستكون إسرائيل ممتنة، أما إذا رفضها فإن واشنطن ستدرس جديا منح مباركتها لتطبيق الخطة الإسرائيلية، تحت غطاء أنها انسحاب إسرائيلي، وتفكيك لمستوطنات إسرائيلية، مع تعليق الدعم الرسمي إلى حين توفر ظروف تسمح بمفاوضات فلسطينية ـ إسرائيلية من نوع جديد بعد سنوات. وهذا ما يدفع الكثير من المحللين للقول بأن اولمرت لا يسعى إلى تحريك مفاوضات بقدر ما يسعى إلى إدارة عملية علاقات عامة، ترضى عنها واشنطن إلى أن تصبح مهيأة لإعلان دعمها للخطة الإسرائيلية.

ما يبدو واضحا هنا، هو هذا التريث الأميركي في إعلان الدعم الرسمي لخطط إسرائيل. ويعود سبب ذلك إلى انشغال واشنطن بمعارك عديدة تبدو كلها خاسرة. أولها المعركة مع ايران والتي عجزت حتى الآن عن إقناع ايران بوقف خططها النووية. وثانيها المعركة الدائرة في العراق، حيث تسود الفوضى، ويبرز العجز الأميركي عن السيطرة الأمنية (وبالرغم من مقتل الزرقاوي). وتمتد حالة العجز من شمال العراق إلى البصرة جغرافيا، ومن السنة إلى الشيعة حسب المصطلحات التي أوجدها الاحتلال. وثالثها ما جد مؤخرا من تطورات في الصومال، حيث تتقدم إلى الواجهة قوة إسلامية تسجل تغلبا واضحا على المليشيات المدعومة من واشنطن. ورابعها ما يحدث في أفغانستان، بعد أن عاد نشاط حركة طالبان إلى الواجهة، فارضا وجوده في مناطق أفغانية كاملة، وبعد أن أظهرت أحداث العاصمة كابول طبيعة الغضب الكامن في الأوساط الشعبية ضد الاحتلال الأميركي، وبالذات في المدينة التي كان يبدو أنه مسيطر عليها. وهذه المعارك الأربع هي التي تدفع واشنطن للتريث في فتح جبهة خامسة تستنفر فيها العواصم العربية ضد مواقفها.

ولكن أين هو العامل الفلسطيني في هذه التطورات؟

لقد أكدت الرئاسة الفلسطينية أنها مستعدة للتفاوض وجاهزة له. وإذا قيض لهذه المفاوضات أن تبدأ، فإن الرئيس الفلسطيني محمود عباس سيستمع من دون شك، إلى شرح إسرائيلي ممل لخطة اولمرت وكيفية تطبيقها، وفوائدها للفلسطينيين، إذ ستعيد لهم أرضا، وتخلصهم من مستوطنات، وتمهد لدولة (مؤقتة) ومتصلة عبر الجسور والأنفاق فقط. وسيرد عباس رافضا هذه الخطة من دون شك، وداعيا إلى الانتقال الفوري إلى مفاوضات الحل النهائي ومن أجل إنشاء دولة فلسطينية (دائمة). وهنا سيكون الرد الإسرائيلي تعجيزيا كما هي العادة، أي نفذوا ضرب البنية التحتية للإرهاب، ثم نواصل الحديث. وهو رد سيكون معناه إنهاء المفاوضات، وعودة اولمرت إلى الولايات المتحدة ليبلغها أنه لم يجد الشريك الفلسطيني المناسب. وسيحرص أولمرت أن يفعل ذلك في توقيت مناسب للرئيس الأميركي بوش، بحيث لا يزعجه في مفاوضاته مع ايران، ولا يؤثر على مجرى الانتخابات النصفية لعضوية الكونغرس في شهر 11/2006. بكلمات أخرى، فإن المفاوضات المرغوبة والمنتظرة بين الرئاسة الفلسطينية وإسرائيل ليست مرشحة لأي نجاح، وهي ستستعمل كجزء من خطة «العلاقات العامة» التي تتطلع إليها إسرائيل.

من هنا... يبدو الجدل الداخلي الفلسطيني المتوتر الدائر في جلسات الحوار الوطني، حول وثيقة الأسرى وحول الدعوة للاستفتاء عليها، جدلا غريبا من نوعه. غريب من جهة الداعين إليه، الذين يريدون حسم النقاش السياسي والاستراتيجي والمصيري بالتهديد بعنصر الاستفتاء، وكأن الاستفتاء، ومهما كانت نتيجته، سيلغي الخلافات والصراعات والتوترات، بينما تشير الأجواء إلى أنه مؤهل، ومهما كانت نتيجته، إلى تصعيد تلك الخلافات والصراعات والتوترات. وهذا الجدل الفلسطيني المتوتر غريب أيضا من جهة المعارضين له. إذ ما هو الخطر السياسي في أن تقول حماس أنها توافق على المبادرة العربية ما دامت متأكدة من أن إسرائيل سترفض الاعتراف بها كقاعدة للتفاوض؟ وما هو الخطر السياسي في أن تعلن حركة حماس أنها توافق على وثيقة الأسرى مع تحفظ على نقطة أو نقطتين فيها، وتشرح رأيها بصددهما؟ ألا يستحق الوضع المتوتر إقامة فارق بين المواقف المبدئية وبين المواقف السياسية؟ ألا يستحق الوضع المتوتر القيام بمناورة سياسية لفضح الموقف الإسرائيلي؟ وحتى فضح بعض الأوساط الفلسطينية التي تسعى للتوتير، ولا تتورع عن الاستعداد للصدام ومن أجل نشوء مناخ يحقق نوعا من الوحدة الوطنية ومن التماسك الداخلي؟.