تتطلع الأنظار غداً إلى نيويورك ترقباً لنتائج تقرير «برامرتز» رئيس لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري، في ظل توقعات بنتائج مغايرة لاستنتاجات «ميليس»، ووسط جو من التفاؤل الإيجابى الحذر فى «دمشق».

التفاؤل بعد ما بدا من جدية ومهنية وبعد عن الثرثرة الصحافية، والحذر من تسييس «بولتون» بسوء التوظيف لنتائج التحقيق لإفساد مهنية «برامرتز» في التعامل مع تلك الجريمة المروعة التي أصابت المشاعر العربية بالقلق من أن تكون بداية السيناريو الأسوأ لتحقيق أكثر من هدف مثل :

أولاً: ضرب استقرار لبنان بإثارة الفتنة بين أطيافه عقاباً له على موقفه الرافض للخطط والسياسات الإسرائيلية والأميركية، وانتقاماً من جرأته وقدرته على تحدي الاحتلال في جنوبه بل وطرده من دون مفاوضة على يد حزب الله.

ثانياً: فك عرى العلاقة الأخوية التضامنية بين سوريا ولبنان، بحرمان سوريا من الشقيق اللبناني الضاغط في مواجهة إسرائيل، وحرمان لبنان من الحليف الاستراتيجي الداعم في مواجهة اسرائيل وهو الذي تحمل مسؤولية إنهاء الحرب الأهلية وتوحيد الجيش اللبناني وإعادة البناء السياسي والأمني بعد الحرب.

ثالثاً: استغلال دم الشهيد الحريرى لتحويل لبنان إلى مصدر ضغط على سوريا بعد أن كان مع سوريا يشكلان ضغطا على العدو المشترك لتحرير شبعا والجولان ككرة من اللهب تطال بالاتهام هذه الدولة أو تلك أو هذا الطرف أو ذاك وفق أسباب مبررة وأهداف مقررة، وتحويل توزيع الاتهامات إلى وسيلة لتشويه وتهديد وإرهاب من يقف في مواجهة المخططات السوداء سواء ضد لبنان أو فلسطين أو سوريا أو العراق.

وتنبع متابعة الرأي العام العربي لنتائج التقرير من سعيه للحقيقة وللعدالة بحق المجرمين الحقيقيين الذين خططوا للجريمة بحقد أسود، ونفذوها بدهاء أصفر، إنهم المجرمون الذين استفادوا بنتائج رحيل الرجل الذي كان نصيراً لوطنه وصديقاً لسوريا ومدافعاً عن قضايا أمته، وعنصر التوازن الرئيس لاستقرار لبنان والداعم لعلاقة استراتيجية مع سوريا دون تحول ذلك إلى أن تُحكَمْ لبنان من سوريا.

إنهم الذين استفادوا من توقيت يسمح بتنفيذ الخطة لتصيب الأهداف الثلاثة بجريمة واحدة، فاستفادوا من خلافات بين أبناء الوطن وبين الحلفاء الأشقاء حول التمديد، وحول التجاوزات السورية في لبنان.كمااستفادوا من احتقان سياسي داخل الساحة اللبنانية، بل وداخل الساحة السورية لضرب وحدة لبنان وسوريا.

وبعد التحقيقات والتقارير، فإن الحقيقة الأكيدة هي أن المجرم الحقيقي هو من استفاد وليس من تضرر بما جرى من عدم استقرار في لبنان ومن ضغوط على سوريا ومن توتر العلاقات بين البلدين الشقيقين، وكان هناك أكثر من سؤال للسيد «ميليس» رئيس لجنة التحقيق السابق الذى استقال بعد انكشاف كذب الشهود وارتباكه أمام الصحافيين في نيويورك..

مثلا..هل تبنى الاتهامات على تصورات؟ و.. لماذا ركز على الفرضية الواحدة وغطى على الخيوط الأخرى؟، ولماذا وجه اتهاماته قبل استكمال تحقيقاته، مع إقراره بأن الوصول إلى الحقيقة قد يحتاج إلى سنوات؟، ولماذا تم توقيف البعض دون تهمة ودون دليل مع اعترافه بأن «كل المشتبه بهم الموقوفين يبقون أبرياء حتى تثبت إدانتهم».

والسؤال هو لماذا ذكرت التقارير «المضروبة» السابقة أسماء سورية ولبنانية مشتبه في تورطها بناء على شهادات من ثبت كذبهم من أمثال «زهير صديق» و«هسام هسام»، أو ممن قد يكونوا خصوما لهم مما قوض أسس أى اشتباه وأى اتهام سابق؟.

ترى.. هل سيجيب برامرتز فى تقرير الغد عن هذه التساؤلات، وهل يقدم لنا الأدلة القاطعة على أي اتهامات، ويشير بأصبع الاتهام إلى المجرمين الحقيقيين..أم يدفع الجميع إلى إعادة طرح الأسئلة من جديد ؟

وترى هل سيقدم لنا مجلس الأمن عند مناقشاته لتقرير «برامرتز» منتصف الشهر الجاري إجابة صحيحة عن تفسيره لمعنى «العدالة الدولية» التي أصبحت في هذا الزمان عدالة انتقائية وغير معصوبة العينين ؟، عدالة المنع بغير حق والمنح بغير عدل.. «تمنع» المدافع عن أرضه من حق الدفاع بل وتصفه بـ «الإرهاب»، وتمنح المحتلين حق ممارسة الإرهاب باسم «الدفاع عن النفس».

عدالة «عوراء» تغمض عينا عن عمليات «إرهاب الدولة» وعمليات المذابح الجماعية للمدنيين الأبرياء، والقتل بالطائرات للمقاومين في العراق وفلسطين وتكتفى بالصمت أو مصمصة الشفاه، بينما تفتح العين الأخرى على عمليات «المقاومة» الفردية التي لا تملك طائرات ولا دبابات ممن احتلت أراضيهم وطردوا من ديارهم، وتصدر أحكامها بالعقاب الجماعي على شعب بأكمله بالحصار والتجويع..!

«أيتها العدالة الدولية كم من الجرائم ترتكب باسمك».