بقلم :د. محمد سلمان العبودي

لم تستيقظ فرنسا بشكل عملي في المنطقة إلا بعد سقوط صدام. وعندما شاهدت سقوطه فعليا على شاشات التلفاز وسمعت طبول الفرح لدى الحلفاء والجلوس في اليوم التالي لاقتسام الكعكة، شعرت بالذنب لعدم مشاركتها بشكل رسمي في إسقاطه.

غير أنه كانت هناك أسباب عدة في ترددها في المشاركة في تخطيط الحرب وشنها على العراق مع حلفاء الولايات المتحدة الأميركية حتى ولو كان على حساب خسارة حصتها من الغنيمة. وحسناً فعلت!

أول تلك الأسباب وأهمها يعود إلى أن الأمر في تلك الرقعة من اليابسة الممتدة من حدود أفغانستان وباكستان و إيران إلى الحدود الجنوبية لإسبانيا معقد إلى حد كبير. فعلى هذه الرقعة تقع أكثر من 25 دولة إسلامية وعربية (بينها إيران وباكستان وتركيا) وهي دول متنوعة ظلت تحتفظ كل واحدة منها باختلافاتها وأطيافها عن الأخرى رغم اتفاقها التاريخي والثقافي.

كما أن كل دولة من تلك الدول التي قد لا تتعدى مساحتها أحيانا 4000 ميل مربع (كلبنان مثلا) أو 700 كم2 (كمملكة البحرين) يعيش على أرضها عدد لا بأس به من الطوائف التي تولدت عبر التاريخ ومازالت تتوالد يوما بعد يوم.

وبعض هذه الطوائف متناحرة فيما بينها بشكل مزمن منذ عصور بابل. ناهيك عن الصراع بينها مجتمعة في طرف وبين أصغر وأحدث دولة في العالم: (إسرائيل) في طرف آخر، وهو صراع لم يتوقف حتى هذه اللحظة منذ أن بدأ في منتصف القرن الماضي.

وبالتالي فالدخول في تلك الدوامة التاريخية يشبه إلى حد بعيد الدخول في مدار الثقوب السوداء الموجودة في الفضاء البعيد. فسيتم ابتلاعها فيها آجلا أم عاجلا.

فكل الدول التي دخلت المنطقة من باب الطمع تحت ستار الاستعمار أو الحرب خرجت في النهاية صفر اليدين أو تركت كل ما جنته عند بوابة المغادرة. وفرنسا لم تتخذ تلك الخطوة من فراغ. فهي صاحبة تجربة سابقة في المنطقة وكان لها دور يذكر في استعمار مساحات شاسعة من الهلال الخصيب وشمال إفريقيا.

وهي لن تنسى تلك الفترة من تاريخها ولن تنسى أيضا كيف خرجت منها. لذا كان موقفها صعباً ومتخوفاً جداً من المشاركة في رمي سهامها باتجاه العراق. ولا أصعب من موقف الحيرة بين أمرين على نقيضين.

خاصة وأنها منذ عهد الجنرال ديغول وطّدت علاقاتها مع الدول العربية والإسلامية إلى درجة أصبح فيها من الصعب أخلاقيا الدخول اليوم في حروب ضدها أو حتى المشاركة فيها معنويا. وهي تعلم جيدا أن ذلك سوف يكلفها غدا الكثير في أسواق الشرق الأوسط.

ثاني تلك الأسباب: دور فرنسا الأوروبي. فلقد لعبت فرنسا دورا مهما في تأسيس ونجاح مشروع المجموعة الأوروبية. فهناك التزامات خاصة تجاه هذا التشكل الذي بدأ في الأساس اقتصاديا وتطور ليضم كل الأصعدة.

وان دخولها كحليفة مع الولايات المتحدة وبريطانيا في حرب لم يكن أحد يعلم عندما اندلعت ما نهايتها ولا مصيرها، يعني أنها ستضحي في المقابل بدورها الريادي في تلك المجموعة، حتى ولو انتصرت.

حيث أن المجموعة الأوروبية تتجه نحو الاستقرار الداخلي والبناء الاقتصادي المشترك والتلاحم أكثر منه الدخول في حروب بعيدة وغير شريفة وتستنزف أموال الدول حتى ولو كانت منتصرة.

خاصة أمام تحفظ ألمانيا الشريك الأكبر مع فرنسا والتي ما زالت إلى الآن تعاني نفسيا وماديا من نتائج الحربين العالميتين الأولى والثانية ودفع تعويضات اليهود الذين أعدمتهم النازية. أو أمام بعض دول أوروبا الشرقية الأخرى التي انضمت إلى المجموعة مؤخرا والتي عانت الأمرّين من الحروب والصراعات الداخلية والهيمنة السوفييتية.

ثالثا: إن خزانة فرنسا ليست خزينة الولايات المتحدة الأميركية فيما يتعلق بحسابات الصرف. فهي تحسب لكل يورو كيف ستصرفه وأين ستستثمره ومتى ستجني ثماره.

ولا تملك فرنسا مؤسسات مغامرة عملاقة كتلك الموجودة على أراضي الولايات المتحدة الأميركية والتي قد تسندها إذا ما ضعفت أو انهزمت. وإن ميزانية فرنسا رقيقة جدا إلى درجة أن أبسط الأمور قد يعرضها للكسر الذي لن يتم لأمَه بسرعة.

رابع هذه الأسباب، التركيبة السكانية والجغرافية. فسكان فرنسا يتشكلون من نسبة مهمة من العرب المغاربة ومن المسلمين سواء ممن يحملون الجنسية الفرنسية أو ممن يعملون بها منذ زمن طويل والذين تحسب لهم فرنسا ألف حساب.

وأن انتماء هؤلاء إلى فرنسا لا يتعدى البحث عن حياة كريمة ومستقرة لا أكثر ودفع الضرائب كأي فرنسي. ولم تحاول فرنسا جديا أو بالأحرى فشلت في دمج هؤلاء في هويتها مئة في المئة.

إلا أنهم كأي فرد عربي أو مسلم يظل انتمائهم العقائدي والقومي مرتبطا مع الأرض الأم أينما كانوا. وبالتالي فإن أي تحرك في الاتجاه الخطأ قد تنتج عنه أزمة واضطراب داخلي هي في غنى عنهما، خاصة إذا عرفنا أنها عانت من العمليات الإرهابية أكثر من أي دولة أوروبية أخرى كنتيجة للصراع الإسلامي الإسرائيلي.

وهي محقة جدا في وضع هذه الفئة في حساباتها. فقد أثبتت الأيام الأخيرة أنها تمثل قوة ضغط خطيرة قد تتحول إلى قوة تدميرية ومشاغبة إذا أرادت ذلك أو إذا دفعت إليها دفعا. والأحداث الداخلية التي شهدتها فرنسا في السنة الماضية وهذه السنة تدل على بعد نظر فرنسا السياسي.

على أية حال، فرنسا تحتفظ لنفسها بأسباب أخرى كثيرة في عدم خوض تلك الحرب الشائكة والمعقدة. غير أن فرنسا ولأسباب لا نعرفها أو نحاول أن لا نصدقها ـ لما لفرنسا من مكانة خاصة لدى العرب والمسلمين ـ بدأ لعابها من جديد يسيل نحو المنطقة. وربما يفسره البعض بأنه الحنين إلى الأيام الخوالي من الاستعمار الذي ظل ساهرا ولم يغمض له جفن.

ويرى آخرون أنها (الغيرة) التاريخية أولا من غريمتها بريطانيا التي تم جرها مرة أخرى إلى ساحة الشرق الأوسط، ما ذكّر فرنسا بدورها في سوريا ولبنان والذي كاد أن يفلت تماما بعد مقتل الحريري وثانيا من تدخل ساسة الولايات المتحدة في شؤون تلك الدولتين وخاصة لبنان وبشكل فاضح.

بما يشبه غيرة أحدهم من مغازلة غريمه لعشيقته حتى ولو أنه هجرها منذ أربعين سنة مضت، فعاد وثبا وجريا لكي يدافع عن شرفه ويثبت رجولته ويؤكد على استمرار سيطرته عليها!

أيا كان، فلقد كان لفرنسا دور وانقضى منذ زمن بعيد. ولم تحاول فرنسا أن تستجيب لكثير من الإيحاءات الواضحة التي وجهت إليها منذ تربع الولايات المتحدة على خارطة الشرق الأوسط، للقيام بما يحفظ نوعا من التوازن في المنطقة.

والوقت أصبح متأخرا جدا، حيث أن الشعوب الإسلامية والعربية التي بدأت تتحكم شيئا فشيئا في الشارع العام لم تعد تثق بأحد كما كانت سابقا ولم تعد تصدق ما يقال لها.

وأصبحت على يقين لا تردد فيه بأن حب تلك الدول الصناعية الكبرى لمنطقتنا لم يأت حبا في شعوب تلك المنطقة بقدر ما هو حب لما تحتوي عليه أراضيهم من مواد خام تدعم صناعتها وتفوقها.

خاصة بعد ما أصبحت كلمة مسلم وعربي تعني الإرهابي المتخلف، وبعد اكتشاف سياسة الكيل بمكيالين.إن الدولة المقبلة، شئنا أم أبينا، هي دولة إسلامية عريضة ممتدة شرقا وغربا.

وإذا أرادت فرنسا أن يصبح لها وجود اقتصادي ما وتحافظ على مصالحها في المنطقة، فعليها أن تتعامل مع هذه الجيوغرافية الجديدة بشيء من الحكمة، والوصول إلى قلوب هذه الشعوب من روح الصداقة الحقيقية والثقافة المتبادلة والمصالح المشتركة والابتعاد عن سياسة الحصول على الشيء اعتمادا على القوة، تلك السياسة التي أثبتت الحرب العراقية أنها فاشلة.