عزمي بشارة (الخليج)

من مصلحة الشعب الفلسطيني ومصلحة الحكومة الفلسطينية أن تنشأ فرصة لحوار مع العالم ضد الحصار، وحكومة وحدة وطنية برئاسة حماس تحرج من يتنكر لنتائج الانتخابات أولاً، أي دولة أو سلطة ترغب في أن تستفتي الشعب يجب أن توفر أساسا قانونيا لذلك. أي، أن يكون لديها قانون للاستفتاء لا يحدد فقط الطريقة، بل المواضيع ونوعها ومن يحدد السؤال. لا تتبع الاستفتاءات في كافة الدول الديمقراطية. وبعض الدول الديمقراطية يعتبر الاستفتاء وسيلة شعبوية لضرب النظام البرلماني والالتفاف عليه، واضعافه وتقزيم الانتخابات. وعموما، الديمقراطية الحديثة هي ديمقراطية تمثيلية ولا تحكم بالاستفتاءات.

ثانياً، مناقشة قانون الاستفتاء تسمح للبرلمان، أي لممثلي الشعب بالإدلاء برأيهم والإجابة عن السؤال هل يريدون هذه الطريقة أم لا؟ أي هل يريدون العودة إلى الشعب بين انتخابات وأخرى؟ الاستفتاء دون قانون ينظمه هو عبارة عن استطلاع رأي واسع وغير ملزم. أشهر الدول التي تستخدم الاستفتاء بين انتخابات وأخرى لاتخاذ قرارات هي سويسرا وكانتوناتها المتفردة أيضا. الاستفتاء في حالتها هو استمرار لنمط حكم ديمقراطية المدينة، ومنصوص عليه في الدستور كنمط حكم. وبسبب الاستفتاءات تأخر منح حق التصويت للمرأة هناك، فقد خضع هذا القرار لاستفتاء الشعب المكون من الرجال في حينه.

ثالثاً، في الدول غير الديمقراطية التي لا يوجد فيها انتخابات يلجأ النظام أحيانا الى الاستفتاء كبديل عن الانتخابات لتبني ميثاق او برنامج او تجديد رئاسة، ويفعل النظام ذلك كبديل شعبوي عن الانتخابات، والنتائج مضمونة غالبا.

رابعاً، في الدول الديمقراطية يستفتى الشعب بعد سن قانون لهذا الغرض في قضايا مصيرية اتفق سلفا على أنها سوف تحسم بالاستفتاء، مثل الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي والتخلي عن جزء من السيادة الوطنية وعن العملة أو في قضية انفصال إقليم عن اتحاد أو عن الدولة الأم. وكان انفصال مونتنيجرو (الجبل الأسود) عن صربيا آخر مثل على ذلك.

خامساً، غالبية الدول الديمقراطية لا تلجأ الى الاستفتاء في قضايا مصيرية مثل الحرب والسلم وغيرها. فمن يحكم هو السلطة التنفيذية المنتخبة مباشرة أو التي تخضع لرقابة وثقة السلطة التشريعية المنتخبة.

سادساً، لا يستفتى شعب ويقسم الى قسمين، مع وضد، أي لا يتم اللجوء إلى هذه الخطوة المصيرية لحسم قضايا نظرية ليست للتنفيذ أصلا. هذه قد تصلح أن تتبناها أحزاب كبرنامج لها تناضل من أجله، وبالكاد يبحثها برلمان، فكم بالحري ان يستفتى الشعب عليها.

سابعاً، لو قبلت “إسرائيل” وثيقة الأسرى أو جزءاً منها، وتعتبر السلطة ذلك كافيا لاتفاق سلام أو تسوية، عند ذلك قد تلجأ السلطة الفلسطينية إلى استفتاء، أو ترهن موافقتها بموافقة الشعب المعبر عنها في استفتاء. وحتى في هذه الحالة يجب أن يسن قانون لهذا الغرض.

ثامناً، “إسرائيل” تعلن أنها ترفض وثيقة الأسرى. فعلام يستفتى الشعب الفلسطيني، على أفكار؟ سؤال يصح حتى لو كانت الأفكار تشكل برنامجا سياسيا جيدا. ونحن نعتقد أنها جيدة.

تاسعاً، قسم ممن يؤيدون إجراء الاستفتاء وموقفهم واضح لصالح تأييد وثيقة الأسرى لا يوافق على جزء كبير منها، أو يوافق عليه نظريا قط، ولكننا نعرف، والشارع الفلسطيني يعرف أنه يؤمن بأنها لا تصلح أساسا للتسوية. ولذلك سبق أن تنازل عن بعض بنودها علنا أو ضمنا. امتحانه هو ليس أن يستفتي الشعب عليها بل ان يتبناها هو كبرنامجه السياسي وأن يتمسك بها برنامجا، وسوف يكون هذا تقدما كبيرا.

عاشراً، القيادة الفلسطينية لم تستفتِ الشعب الفلسطيني على اتفاقيات أوسلو التي طرحت للتنفيذ، رغم أنها شكلت تغييرا كبيرا قياسا ببرنامج المنظمة. وإذا صح الاستفتاء، فقد صح هنا. والقيادة الفلسطينية لم تستفت الشعب الفلسطيني على تغيير الميثاق الوطني الذي قبلته، ولا على أفكار كلينتون التي رفضتها في كامب ديفيد، وقد أيدناها في ذلك الرفض دون استفتاء، وكان سيكون لقبولها نتائج عملية.

حادي عاشر، إما ان يتوصل الحوار إلى وحدة وطنية على أساس برنامج مشترك يتم الاتفاق عليه، أو تحكم الحكومة التي انتخبت والرئيس الذي انتخب... لا يوجد قانون يفرض الوحدة، ما يفرضها هو العقل والمنطق والضمير في رؤية مصلحة الشعب الفلسطيني. والاستفتاء لن يؤدي إلى وحدة بل إلى زيادة الشرخ خاصة أنه من غير الواضح هل يستفتى الشعب على أنه يريد تدفق الأموال، وهذا أمر عملي أم يستفتى على وثيقة نظرية لا إسقاطات عملية لها على الطرف الآخر؟

هذا على فرض أن السلطة تحكم، وان الحديث هو عن حكم ذي سيادة.

وأخيرا، نعتقد ان التوصل إلى اتفاق في الحوار هو أمر ممكن لو تحدث في هذه المرحلة فقط أولئك الذين يرغبون في التوصل إلى الاتفاق في الحوار.

قلنا لماذا نعارض الاستفتاء على وثيقة الأسرى رغم اعتقادنا أن الوثيقة جيدة، ويفترض ان يتم تبنيها كبرنامج نضالي؟ لا يوجد هنا ما يستفتى الشعب الفلسطيني عليه، ف “إسرائيل” ترفض الوثيقة التي صاغت الثوابت الوطنية التي تجمع بين أسرى من قيادات حماس وفتح والجهاد والشعبية والديمقراطية ممن شاركوا في صياغتها في سجن “هداريم”. ومطلب الاستفتاء وطرحه بهذا الشكل تكريسا للانقسام بدل الاتفاق القائم في الوثيقة حرفا النظر عنها وعمن يوافق عليها فعلا، ومن يعترض عليها. فمن بين مؤيدي الاستفتاء لمجرد انه ضد حماس معارضون متحمسون لمضمون الوثيقة التي كانوا سيسمونها قديمة وغير واقعية في موقع آخر. ومن بين معارضي الاستفتاء مؤيدون للوثيقة، وحتى أسرى شاركوا في صياغتها.

من أجل التقدم نحو حكومة وحدة وطنية لا بد من الموافقة على برنامج مشترك، والقوي والمسؤول هو من يوافق لتفويت الفرصة على من يريد ان يشق الشعب الفلسطيني حتى لو كانت لديه تحفظات. يستطيع الفصيل أن يقول انه يوافق مع تحفظ واحد، على نقطة واحدة من بين ثماني عشرة نقطة. ما المشكلة؟ فقط هكذا يستمر الحوار للاتفاق على أمور اخرى، من نوع حكومة وحدة وطنية، صلاحيات وزير الداخلية، ترتيب الأجهزة الامنية تحت سلطة واحدة، وغير ذلك.

البديل للاتفاق على قاعدة سياسية مشتركة تصلح أساسا للحوار الداخلي وحجة لمواجهة الحصار عالميا هو كارثة بدأ الإعداد لها وبدأت “إسرائيل” تقطف نتائجها. فالعالم، بما فيه العرب، يطالب الفلسطينيين بحل قضاياهم قبل الالتفات إليهم، وفي هذه الأثناء “إسرائيل” تسرع تنفيذ مخططاتها في كل زاوية.

وبرأيي المتواضع فإن حماس يفترض ان تقبل الوثيقة مع من يقبلها فعلا من الفصائل الأخرى. وبالعكس، عليها أن تستغل الوثيقة لجعل الثوابت التي تصوغها ملزمة لمن يعارض الوثيقة فعلا من بين مؤيدي الاستفتاء حاليا، ويحاول أن يتهم حماس بمعارضتها وكأنه هو يوافق عليها. فالوثيقة لا تحدد فقط حدود البرنامج السياسي الفلسطيني، بل تحدد أيضا حدود التنازل الفلسطيني، وهذا برأيي تقدم كبير.

من مصلحة الشعب الفلسطيني ومصلحة الحكومة الفلسطينية أن تنشأ فرصة لحوار مع العالم ضد الحصار، وحكومة وحدة وطنية برئاسة حماس تحرج من يتنكر لنتائج الانتخابات، وتحرج من يحاصرها. ويتوفر لديها في الوقت ذاته أساس سياسي لا يتضمن تنازلات، بل توقف مسلسل التنازلات. فالوثيقة تتحدث عن قرارات الشرعية الدولية، محددة منها تلك التي تنصف الشعب الفلسطيني، ومن بينها قرار يؤكد حق العودة مثلا. لا تخسر حماس شيئا، بل تربح الجولة بقبولها بصدر واسع ومناقشة من يعارضها فعلا. إنها مبادرة وقع عليها أسراها ومناضلوها. ويجب ان تقبل الوثيقة بشكل طبيعي وواضح دون تردد يفتح مجالا لنقاش وتأويلات، وبروح مسؤولة وحفاظا على الوحدة الوطنية وحمايتها من كل من يبحث عن ذريعة للمس بها.