لغة المعارضة السورية الخاصة تثير القلق السوري العام. فلقد تكاثرت وببساطة مفردات: الأقلية. الطائفية. العلويون. اهل الساحل. اهل الجبل. اهل الداخل, اهل الخارج... الخ!!

وقد استسهل المتحدثون, من جبهة الخلاص, ومن اعلان دمشق, ومن غيرهم احزاب باسماء وقيادات مجهولة الحديث في الفضائيات, وسمحوا لأنفسهم بالاجابة عن اسئلة ملغومة مثل: لماذا لا يوجد علويون في الامانة العامة؟ وماذا ستفعلون لقلق اهل الساحل؟وماذا عن الجيش والمخابرات وكلهم من الساحل!؟... الى آخره.

هذه اللغة تثير الارتياب والبلبلة في الشارع السوري. وتعطي الانطباع المخيف بأن سوريا, مثلها مثل العراق, ذاهبة الى انواع شتى من الاحتمالات, والى مَذّهَبةِ السلوك السياسي, والى الانقسام في الهوية, وربما القتال بمقتضى خاناتها..

واذا كانت لغة الوثائق والبيانات تخلو من هذه اللغة, لأنها مكتوبة بحرفيّةٍ جماعيةٍ, ودهاءٍ سياسيّ... وهي مع ذلك لا تخلو كثيراً فإن ألسنة وعقول الناطقين باسم المجموعات المعارضة تفتقر الى الحذر, والى الدقة, واحياناً الى النزاهة. واهم ما تفتقر اليه هو معرفة التعاطي مع الاعلام وخصوصاً التلفزيون.

اولاً, يوحي المتحدثون بثقة معرفتهم بالواقع التفصيلي السوري, وباتجاهات الرأي, وامكانية الحركة والتحرك. وثانياً, يوهمون المشاهد, وخصوصاً السوري, ان بيدهم مفتاح الشارع, وساعة ضبط الحراك السياسي, وموَقِّت العد التنازلي لنهاية النظام. وثالثاً, يبثون طمأنينة كاذبة بالقول ان التغيير سلمي, وان الاستعانة بالخارج مرفوضة. وان لا خلاف بين معارضة الداخل ومعارضة الخارج. ورابعاً... وهذا هو الأخطر: يبشرون السوريين, كأنهم عرافون, بأن نظامهم الحالي آيل للسقوط, وان عمره الافتراضي بالاشهر وليس بالسنين.

ان من يعمل بهذه اللغة المطمئنة, ويهدف الى التغيير السلمي في سوريا... تغيير نظام عمره حوالى نصف قرن يكون أحد شخصين: إما يراهن على الخارج, كمفاعيل وارادات, ممكن استثمارها مع الاحتفاظ بشرف الاستقلال عن الاستقواء بالخارج. اي: ان الخارج اذا كان قدراً قاسياً, فالمعارضة تسأل وتعمل على اللطف فيه.

وإما يراهن على اشتباك النظام ببعضه. والانقسام في السلطة وربما الاحتراب. وهنا تدخل المعارضة ببرنامجها لترجيح كفة على كفة, ولانقاذ البلد من الفوضى.

لكن الذي يبثه اعلام المعارضة هو ان الشعب الشعب السوري, في الحالتين, سيكون قائد التغيير وعنوانه ومآله وحامل راية انتصاره.

دائماً هناك من يخشى من الاوهام. واعتقد انه فريق العقلاء في سوريا معارضة ومستقلين ونخباً وحياديين ­ وانا خلطة منهم جميعا.

الوهم الاول: الوصف الخطأ للواقع. كأن نقول ان السلطة منقسمة. او انها على وشك السقوط. تحتاج الى دفشة نضال ومعارضة.

الوهم الثاني: ان البدائل من نراهم من عبد الحليم الى عبد العظيم. ومن علي... الى محمد ومن النحاس الى الصراف أعني رمزية الاشخاص لا اسماءهم.

الوهم الثالث: ان السوريين جاهزون للعصيان المدني, والانتفاضة السلمية الهادئة. والنزول الشريف الى الشارع.

والوهم الرابع: ان الخارج آت لا محالة... دون احتياط افتراضي بوجود احتمال صفقة, او تسوية مع هذا الخارج, ناتجة من ميزان قوى «متبدل» او من مصلحة خارج «ثابتة».

إن علي البيانوني نفسه يعرف, بالتجربة, ان ساعة الصفر في اواخر السبعينيات, لشن هجوم نهائي مسلح على النظام, لم تكن دقيقة ولا مستقلة عن الخارج, ولم يكن الداخل جاهزاً لها. فحدث ما لا يمكن نسيانه, من قطع طريق المعارضة السلمية الى المجازر الحربية!!

فلتعمل المعارضة على ما تشاء ومع من تشاء, ولكن الأفضل هو تجنب الوعود, والمواعيد. فالشعب السوري مكتوٍ بوعود سلطته في الاصلاح. وها هو على وشك الاكتواء بمواعيد معارضته بالتغيير!!