بالرغم من الطريقة الاحتيالية التي أعتلى بها الرئيس بشار الأسد سدة الحكم فى سورية والتى كانت موضع تهكم وسخرية من العالم كله إلا أن نوبة التفاؤل التى اعترت المواطن السورى وقتها خففت من حالة الامتهان التى شعر بها الجميع من جراء إحساسهم أن سورية قد تحولت إلى عزبة خاصة مملوكة لآل الأسد .

وقد استند هذا التفاؤل الى عوامل منطقية كثيرة منها :

أن الرئيس الجديد شاب ولابد أنه سيضفى حيوية على الحياة السياسية الراكدة فى سورية .

وأن الرئيس الجديد أقام لفترة فى إنجلترا فلابد أنه خبر ديمقراطيتها وأعجب بها وقد يفكر فى تطبيقها ولو بشكل جزئى فى سورية .

وأن الرئيس الجديد ذو مظهر خارجى يوحى بالطيبة والاستقامة كما أنه يعشق إعطاء محاضرات ومداخلات طويلة فى المثاليات والطوباويات فلابد أنه سيتبنى برامج جادة للاصلاح الاقتصادى والتشريعى والاجتماعى ... الخ .

ولكن لا شىء من كل هذه التوقعات تحقق وثبت أننا كنا جميعاً أسرى لأحلام يقظة قام الرئيس الأبن بإفاقتنا جميعاً منها بعصاه الأمنية الغليظة .

ولابد أن أعترف أننى كنت واهماً فى إعتقادى بأن الرئيس الأبن سوف يكون ممتناً لشعبه وأكثر تسامحاً من أبيه كنوع من العرفان لهذا الشعب الطيب الذى قبل به رئيساً دون أدنى إحتجاج رغم فجاجة الطريقة التى ورث بها أبيه فى الحكم ، ولكن الرئيس الأبن خيب ظنى بعقوقه لأبناء وطنه وإستمراره على نهج أبيه فى حصار الشعب السورى وقمع وإضطهاد كل من يتجرأ على قول كلمة حق .

والسؤال المرير الذى يتبادر إلى الزهن هنا لماذا نقض الرئيس بشار الأسد كل وعوده بالتغيير والاصلاح والديمراقطية وفك أسر الشعب السورى ؟

والاجابة الأمرّ تجىء على وزن التعبير الفرنسى الشهير Cherchey la Femme" " ولكن مع تغيير بسيط هو" فتش عن الفساد" ، نعم أنها ملفات الفساد التى تعوق وتقتل كل مبادرات الاصلاح فى سورية ومصر ومعظم أرجاء العالم العربى ويمكننا أن نتصور ودون الحاجة إلى خيال أديب حجم الضغوط التى مارسها الحرس القديم على الرئيس الشاب غير المتمرس كى لا ينساق لحمية الشباب ويسعى إلى إحداث تغييرات جذرية فى معادلة الحياة السياسية السورية التى يظل دائماً أحد طرفيها الفساد والطرف المقابل الاستبداد كما هو الحال فى مصر ، ولابد أنهم أطلعوه بشكل غير مباشر على عينة من ملفات الفساد التى خلفها الوالد وهى ملفات تشتمل على جرائم قتل ومظالم ونهب وتدمير منظم لمقدرات الشعب السورى جرت تحت سمع ونظر و رعاية الرئيس الأب ولابد أن الرئيس الأبن قد نُصح بأن الحكمة تقتضى عدم إعطاء الشعب السورى أى فرصة للتحرك الحر لأن هذا سيؤدى بالضرورة الى نبش الماضى وفتح هذه الملفات والتحقيق فى كل ماجرى ومن ثم إدانة النظام وضياع هيبته وربما تقويض أركانه خاصة وأنه نظام لا يستند إلي أي شرعية وغارق فى الفساد حتى أذنيه .

وواضح أن الرئيس الشبل وعى الدرس جيداً وقرر الالتفاف حول وعوده للشعب السورى حماية لإرث والده العظيم وبطانة السوء من حوله بل أن سيادته رأى أن من مصلحة سورية أن يأتى بحرس جديد أكثر شباباً ولكن ليس أقل نهماً حتى يحدث نوع من التوازن مع حرسه القديم وقد حرص الرئيس فى إختياره للحرس الجديد أن يتميز أعضاؤه بكروش لا تقل إتساعاً عن كروش الحرس القديم التى لا تمتلىء ابداً بل أنها تسع المحيط حتى يضمن الولاء من خلال فسادهم وليس فى هذا مشكلة فخيرات سوريا تسع الحرسين القديم والجديد .

وهكذا كتب على الشعب السورى ألا يعرف طعم الحرية وأن يظل رهين ملفات الفساد القديم والجديد .

ولا يختلف الحال فى مصر فالرئيس مبارك الأب كان باراً بأبنائه وبأهل زوجته أكثر مما يجب وكان متسامحاً ومتساهلاً مع الكثير من قيادات السلطتين التنفيذية والتشريعية ، كيف لا وقد كانوا مثالاً يحتذى فى الطاعة والولاء له ولباقى افراد الأسرة الحاكمة وقد اشتهر عن الرئيس مبارك الأب حبه وعطفه على الكثير من رجال الأعمال المعروف عنهم حبهم لمصر ولدماء ابنائها .

وعرف عن سيادته أيضاً رعايته وحمايته لرؤساء تحرير ما يسمى بالصحف القومية المعرفين بفسادهم وعلى رأسهم الأفاق العظيم ابراهيم نافع والمنافق الأعظم سمير رجب لدفاعهم المستميت عن كل مفاسد السلطة .

وهكذا تتعدد ملفات الفساد ويتطلب هذا أن يكون الرئيس الجديد لمصر ذا ولاء واخلاص غير قابلين للشك للرئيس مبارك بما يضمن عدم مقاربة هذه الملفات السوداء لأن فتح إحداها سيكون بمثابة فتح لأبواب جهنم على النظام كله .

وقد أدرك الرئيس بحنكته المعروفة أنه ليس من بديل أمامه سوى السيناريو السورى أى توريث الحكم لأبنه حتى يسهر على حماية ملفات الفساد من العبث وقد بدأت عملية تسليم مقاليد الحكم فى مصر بالفعل لأبن الرئيس وتشهد هذه العملية مخاضاً صعباً حيث يتعرض الرئيسان الأب والأبن حالياً لأكبر عملية إبتزاز سياسى من كل من الولايات المتحدة واسرائيل من أجل الحصول على مباركتهما لعملية التوريث وربما يكون هذا موضوع مقال آخر ولكن كل الشواهد تقول أن الرئيس الأب يراهن كثيراً على إسرائيل كمفتاح لباب الموافقة الأمريكية على تمرير سيناريو التوريث وتؤكد الشواهد أيضاً أن الرئيسين الأب والأبن يملكان أوراقاً جيدة للضغط على كل من الولايات المتحدة واسرائيل لضمان رضوخهما للرغبة العارمة فى نقل الحكم الى الرئيس الأبن وهما يؤكدان لأمريكا أنهما كفيلان بالسيطرة على الوضع الداخلى وحماية مصالحها ومصالح إسرائيل ، ويبدو أن الولايات المتحدة قد إقتنعت بهذا .

وكما ذكرنا فى أحد مقالاتنا السابقة على هذا الموقع فإن ملفات الفساد التى تراكمت على مدار الربع قرن المنصرم فى مصر وخوف النظام من المسآلة تسببتا فى إعاقة كل مشاريع الاصلاح السياسى والتشريعى وأجبرت النظام على الدفع فى إتجاه توريث الحكم كما حدث فى سوريا تماماً كقضية حياة أو موت للنظام حتى ولو كان الثمن هو ضياع أوطان وشعوب .

وفى الختام فإن على شعبنا المصرى أن يقاوم سيناريو التوريث حتى ولو كان البديل أن تأتى جماعة الأخوان المسلمين الى الحكم وهو بديل لا نحبذه على الاطلاق نتيجة لتطرف معظم قيادات هذه الجماعة وشكنا فى إيمانهم بمبدأ المواطنة ولكن المعادلة السياسية فى مصر إنحصرت للأسف فى طرفين فإما فساد النظام الحالى أو تطرف الأخوان .

ومرة أخرى فإن تطرف الأخوان يمكن التعامل معه من خلال ضغوط المجتمع المصرى الذى لا يقبل التطرف بشكل عام والاخوان الآن فى مرحلة مراجعة لكل افكارهم القديمة وهناك بوادر طيبة لهذه المراجعات .

وقد ينجح فى الفترة القادمة أحد تيارات الوسط في البروز على الساحة السياسية وينقذنا من هذه المعادلة المميتة .

و أخيرا فان علينا في مصر أن نتكاتف جميعاً لمحاربة سعى النظام لتوريث الحكم لأن نجاح هذا السيناريو يعني تكريس الفساد والاستبداد فى مصر وتحويلها الى جمهورية وراثية وتدهور مكانتها الدولية أكثر وأكثر ومن يجادل فى هذا يكفيه أن ينظر الى ما يحدث فى سورية .