شبكة فولتير
الانسحاب التام

قبل الخراب التام

هيلينا كوبان/كريستيان ساينس مونيتور

عندما شن الرئيس الامريكي جورج بوش واعوانه هجومهم على العراق قطعوا الوعود علنا بان مشروعهم لا يهدف فقط الى العثور على اسلحة الدمار الشامل التي ادعوا وجودها ثم تدميرها...

+

هيلينا كوبان/كريستيان ساينس مونيتور

عندما شن الرئيس الامريكي جورج بوش واعوانه هجومهم على العراق قطعوا الوعود علنا بان مشروعهم لا يهدف فقط الى العثور على اسلحة الدمار الشامل التي ادعوا وجودها ثم تدميرها, انما يهدف ايضا الى ازاحة صدام حسين واقامة حكومة صالحة لخدمة الشعب العراقي الذي يبلغ تعداده الـ 26 مليون نسمة.

والان, وبعد مضي ثلاث سنوات ونيف, اصبح من الواضح ان الجزء الاخير من المشروع قد فشل, اضافة الى انكشاف عدم وجود اية اسلحة للدمار الشامل اصلا.

الواقع, ان مشروع اقامة الحكومة العراقية الصالحة الذي ادعاه بوش قد فشل فشلا ذريعا يستحيل معه احياؤه او بث الروح فيه. حتى التطورات الاخيرة التي يريد بوش ان يقدمها كانجاز سياسي وهي تشكيل حكومة »وحدة وطنية« بعد اسابيع طوال من التفاوض تبدو الان تافهة وغير مؤثرة, فالتشكيلة لم تشمل تسمية وزراء للمناصب الامنية المهمة. وحتى بعد ملء جميع الحقائب الوزارية فان الامر لن يقود الى توفير الخدمات الاساسية التي تزداد حاجة المواطنين اليها وبضمنها توفير الامن.

لقد تحول العراق الى كابوس لحرب الجميع ضد الجميع التي دعا اليها بوش. وقد وصف الصحافي نير روزن الذي امضى فترات طوال في العراق منذ عام 2003 في مقالة نشرتها صحيفة »واشنطن بوست« وضع الامريكيين في العراق قائلا:»ان الامريكيين اليوم ليسوا سوى ميليشيا اخرى ضائعة في الفوضى العراقية«.

السؤال, اذن, هو: ما جدوى ابقاء جنود امريكا وحلفائها في العراق? وهل نملك اي اساس منطقي يسمح لنا بان نتصور ان هذا الانتشار, او اي اسم آخر للوجود المحتل, يمكن ان يساعد في جعل الامور افضل بالنسبة للعراقيين, او للامريكيين, في المستقبل?

بالاستناد الى تاريخ الجيوش المحتلة الاخرى على امتداد سنوات القرن الماضي والى سجل الاحتلال الحالي للعراق على امتداد السنوات الثلاث الماضية, بوسعي ان اجيب ب¯»كلا«. فدورات العنف التي اطلقت في العراق, ومخزون الكراهية العميق لامريكا والامريكيين الذي ساهم احتلال العراق في ايجاده سواء داخل العراق او في صفوف الشعوب الاسلامية وغير الاسلامية والاخرى حول العالم يعني ان لا مجال البتة لاعادة صياغة شكل هذا الوجود المحتل وتحويله الى قوة تعمل من اجل الخير. ان على واشنطن ان تسعى جاهدة للعثور على طريقة سريعة وعملية للانسحاب قبل ان تزداد الاحوال سوءا في العراق, ولنتذكر جميعا بان الامور هناك قابلة للتردي على نحو مشهود.

نعم, لا شك ان الانسحاب نفسه سيترك عواقب سياسية عديدة, البعض منها سلبي داخل العراق وعلى شكل اوسع في المنطقة والعالم. لكن عواقب البقاء هناك يمكن ان تكون سلبية بالكامل.

ان سجل السنوات الثلاث الماضية يظهر ذلك بوضوح فخلال تلك السنوات, شهد العراق تغلغل الميليشيات الحزبية المتنفذة على امتداد ارضه, وانهيار الخدمات الحيوية وتفشي الفساد الهائل كما شهد ترسخ جذور الارهابيين الاسلاميين في بعض المحافظات. وفيما وراء الحدود العراقية, عمد السلوك الامريكي الذي كشفه الاحتلال الى فقدان امريكا لصداقة واحترام الكثير من شعوب العالم. وقد تضاعفت قوة ايران وغيرها من اعداء واشنطن. ومنعت الورطة التي وقع فيها الامريكيون في العراق الولايات المتحدة وحلفاءها من بذل الاهتمام اللازم بعملية اعادة بناء افغانستان. وصارت الانباء تتوارد عن معاودة مقاتلي طالبان لنشاطهم من جديد وباعداد كبيرة تثير القلق.

ان كل شهر اضافي تمضيه القوات الامريكية في العراق سوف يشهد استمرار مضاعفة هذه الاثار. كما تزداد مع مرور الوقت احتمالات ظهور فضيحة جديدة على غرار فضيحة حديثة, او وقوع جريمة اخرى من جرائم الحرب البشعة. وتتزداد, كذلك, فرص وقوع عملية كبرى مناوئة للولايات المتحدة على غرار عملية تفجير ثكنات المارينز في بيروت عام 1983 . لا احد في امريكا يريد لمثل هذه الامور ان تحدث. وهذا هو السبب الذي يدفع الى تنامي اعداد الاشخاص الذين يطالبون في عموم الاراضي الامريكية بانسحاب سريع وكلي للقوات الامريكية من العراق.

فعلى اي نحو يمكن تحقيق هذا الانسحاب?

بوسع الولايات المتحدة ان تحاول ان تقوم به من جانب واحد من دون التفاوض على تفاصيل الانسحاب مع اي طرف آخر. فبمثل هذه الكيفية سحب الاسرائىليون قواتهم من لبنان عام 2000 ومن غزة في العام الماضي, لكن الانسحاب الاسرائيلي في الحالتين كان اكثر سهولة. فالقوات الاسرائيلية المنسحبة لم تكن في حاجة الى قطع اكثر من بضعة ياردات عبر حدود ارضية لكي تجد نفسها في وطنها اسرائيل. اما سحب الجنود الامريكيين من العراق فانه يتطلب, بالمقابل, جهدا لوجستيا على مستوى العالم يفوق في تعقيداته التعقيدات التي رافقت ارسالهم الى هناك, اذ لا شك ان اي انسحاب امريكي منظم سوف يحتاج الى تعاون دول اخرى, بضمنها ايران, التي تجاور نقاط الاختناق في جنوب العراق وتمتلك شبكة قوية من الانصار الذين يعملون عبر كامل الساحة العراقية, وربما, لهذا السبب, يشير بوش الان الى استعداده للتحاور مع ايران.

لكن الانسحاب المنظم لقوات الولايات المتحدة وقوات الدول المتحالفة معها سوف يستدعي, ايضا, تعاون قوى عديدة اخرى, وهذه الحقيقة الى جانب الحاجة الى وضع نوع من الالية الدولية لمساعدة العراقيين في حل مشاكل اقامة الحكم الصالح, تشير الى ان على الامم المتحدة ان تدخل, هي الاخرى, في العملية. انها ليست قضية تتعلق بالناتو. ولا هي بقضية تخص المؤتمر الاسلامي. انما هي تحد سياسي لكامل الاسرة الدولية.

فهل يدفعنا ذلك الى الاعتقاد بان الامر يتعلق بخطوة كبرى ليست ادارة بوش بالقادرة على القيام بها? نعم, انها كذلك, ولكن علينا, ان لا ننسى ان كلفة ابقاء الجنود الامريكيين في العراق والمجازفات الخطيرة التي ينطوي عليها سوف ترتفع الى مستويات اعلى مع كل شهر اضافي بمضمونه هنا حتى ينتهي بها الامر الى ان تكون اكبر من كلفة سحبهم مهما كانت تلك الكلفة باهظة.

في شهر اذار ,2003 لعب بوش لعبة جيو-سياسية خطيرة عندما رمى زهر نرده على العراق. وكانت نسبة المجازفة يومها عالية جدا. وها قد اصبح من الواضح الان انه قد خسر ذلك الرهان. واصبح من الافضل ايقاف خسائر الامة الامريكية عند هذا الحد والتحول الى اعادة بناء العلاقات الطيبة مع بقية دول العالم, فان ذلك سيكون افضل من البقاء مكتوفي الايدي في العراق بانتظار المزيد من التدهور في الاوضاع.

ترجمة: امل الشرقي- موقع الكادر

المقالة مرخص لها بموجب المشاع الإبداعي

يمكنكم إعادة نشر مقالات شبكة فولتير شرط ذكر المصدر وعدم التعديل فيها أو استخدامها لتحقيق الربح التجاري (رخصة CC BY-NC-ND).

Soutenir le Réseau Voltaire

Vous utilisez ce site où vous trouvez des analyses de qualité qui vous aident à vous forger votre compréhension du monde. Ce site ne peut exister sans votre soutien financier.
Aidez-nous par un don.

كيف تشارك في شبكة فولتير؟

إن جميع القيمين على الشبكة هم من المتطوعين.
-  المترجمون المحترفون: . يمكنك المشاركة عبر ترجمة المقالات