توسّعت خلال الساعات ال24 الماضية دائرة الاتصالات. ونشط سفراء دول الرعاية، في كل اتجاه، لمعرفة حقيقة ما جرى خلال الساعات الثماني والاربعين الماضية على جبهة الحكومة المعارضة، وكيف أخذ مرسوم مجلس القضاء الاعلى طريقه الى التنفيذ، وما هي <القطب المخفيّة> التي رافقته، وأمنت له ولادة سليمة.

كانت المحصلة الاوليّة بأن الحكومة قد استعادت زمام المبادرة، وحققت بعضاً من كسب معنوي كانت بحاجة ماسة اليه، لكن بعد أن وضع الرئيس فؤاد السنيورة <بعض الماء في نبيذه>، وتراجع عن بعض مواقفه السابقة، والتي كانت تشكل عوائق فعلية، حالت دون صدور المرسوم في مواعيده المستحقة.

وتبقى الاسئلة كثيرة حول الاسباب التي أملت صدوره، وبالصيغة التي صدر فيها، إلا ان بعض ما يقال في الوسط الدبلوماسي، خلاصته الآتي: مع عودة رئيس تيار المستقبل، النائب سعد الحريري من جولته الاخيرة في الخارج، تهافت سفراء دول الرعاية العربيّة والاجنبيّة على قريطم، لمعرفة الاجواء والمستجدات، ويقول أحدهم <كان هناك استشفاف لآفاق المرحلة المقبلة، انطلاقا من تقرير القاضي الدولي سيرج برامرتز، حيث كان يملك ( الحريري) معلومات تفيد بأنه غير نهائي، وسيكون مرحليّا، وإخباريّا، وان التعاطي مع التحديات الماثلة يفترض أن يكون نوعيّا، وعلى قدر كبير من العمق، والوعي، والتبصر، والحكمة، للحدّ من الخسائر؟!>.

ويضيف المصدر: <كان هناك قدر من المصارحة، وأيضا من الشفافية، وقد قيلت الامور كما هي، ولم يكن النائب الحريري بمنأى عن هذا المناخ، وهو الذي كان يعتقد أن التقرير قد يستغل سياسيّا، وعلى أوسع نطاق من قبل المعارضة، التي ستضاعف من حملتها ضد الحكومة وسياستها، والاولويات التي تركز عليه اهتماماتها في هذه المرحلة>.

أما النصيحة التي أسديت في حينه، فصيغت بأسلوب التمني بضرورة تجاوز الاشكاليات التي كانت تحول دون صدور المرسوم، وبالتالي لا بدّ من أن تكون هناك سياسة مرنة تمارسها الحكومة للتعاطي مع التحديات الماثلة، ولا بدّ من أن ينتج الحوار الوطني جوّا من الثقة في التعاطي مع مجريات الامور، ومن صلات وصل مع أبرز وجوه المعارضة، بهدف تبديد أجواء التحدي والاحتقان، انطلاقاً من ان تقرير برامرتز سيكون عاديّا، ولن يحمل مفاجآت تدغدغ أحلام الاكثريّة بالتغيير والاصلاح. كما انه لن <يحشر سوريا في الزاوية>، ولذلك لا بدّ من إعادة النظر في الكثير من المواقف والتصرفات الخاطئة التي كادت أن ترسخ نزعة التفتيت والشرذمة، على سياسة التوحيد، وجمع الصف>.

ويعترف المصدر: <بأن هذه المقاربة السياسيّة جرت قبيل الجولة الاخيرة من الحوار الوطني، وقبل أن يغادر القاضي برامرتز بيروت، ليرفع تقريره الى الامين العام كوفي أنان، وكان الاعتقاد يومها ان الاجماع اللبناني، حول إنشاء محكمة ذات طابع دولي، لا يزال قائما، لكن حتى إشعار آخر، وهذا الاجماع، إنما هو نتيجة وفاء من الشعب اللبناني لقضية استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وليس نتيجة إقرار بصوابية السياسة التي تنتهجها الحكومة التي تشرذم بدلا من ان تجمع، وتفرّق بدلا من ان توحد، وأكبر دليل على الرسائل الاحتجاجيّة التي تلقتها ضد هذه السياسة، كانت المظاهرة المطلبيّة الضخمة، قبل نحو شهرين تقريبا>.

ويأتي مهرجان المردة، بعد مهرجان ذكرى استشهاد الرئيس رشيد كرامي، ليشكلا نموذجا من الرسائل البالغة الدلالة، والموجهة الى الحكومة، وفريق الاكثريّة، وعلى قاعدة طرح سياسي مختلف، هدفه أولا إسقاط الحكومة الراهنة، وتشكيل حكومة انتقالية تنحصر مهمتها بوضع قانون جديد للانتخاب، وبإجراء انتخابات نيابية مبكرة، على ان يتحمل المجلس المنتخب مسؤولية التغيير والاصلاح؟!

إن هذا الطرح من المنظار الدبلوماسي، هدفه وضع موضوع المحكمة ذات الطابع الدولي على المحك. صحيح ان الحكومة تعوّل على الاكثرية في مجلس النواب كضمان للموافقة على قانون إنشاء هذه المحكمة عندما يطرح على التصويت، ولكن الصحيح ايضا ان الاسلوب السياسي المعتمد قد يدفع بالمعارضة الى تبني مواقف مغايرة من هذا الموضوع الذي يستقطب اليوم إجماعا وطنيّا؟! ويحدد المصدر المراحل الثلاث الصعبة التي على الحكومة اجتيازها على هذا الصعيد، الاولى إنجاز البروتوكول الذي يحدد شكل المحكمة، المقر... الى ما هنالك من مواصفات، ومعايير أخرى يفترض حسمها.

المرحلة الثانية، سينصبّ فيها الاهتمام على وضع اتفاقية تبرمها الحكومة اللبنانيّة مع المرجعية الدولية في الامم المتحدة، وتتناول هيكلية المحكمة التي سوف تشكل من قضاة ثلاثة أحدهم سيكون لبنانيّا، بالاضافة الى الآلية القانونيّة التي يفترض أن تكون مستمدة من القانون اللبناني.

المرحلة الثالثة: تحويل الاتفاقيّة الى قانون يجب أن يقرّه مجلس النواب، وهذا القانون يجب أن يأتي وفقاً للدستور اللبناني والقوانين اللبنانية المرعيّة الاجراء، مع إدخال تعديلات أساسيّة على قانون الاعدام، وقانون العفو بحيث تأتي التعديلات منسجمة والمعايير الدوليّة.

ولا يقلل المصدر الدبلوماسي من أهمية ما يجري على هذا الصعيد وراء الكواليس، ولا من خطورة محاولات <شدّ الحبال> الناشطة بين العديد من عواصم الدول المعنيّة بمجريات الامور، خصوصا إذا ما وقفت سوريا بقوة ضدّ إنشائها، وردا على الحملة العنيفة التي تتعرض لها من قبل بعض رموز الاكثريّة، وقوى 14 آذار.

ويرى المصدر: ان اللعبة باتت مكشوفة، وأخطر ما في الامر ان بعض قوى 14 آذار ترفض حتى المبادرة العربية، أو أي وساطة، أو مسعى لقيام نوع من الهدنة مع ودمشق، والدليل ان تصريحات الرئيس نبيه برّي في القاهرة ما كادت أصداؤها تملأ الاثير، حتى شنّت بعض رموز هذه الاكثرية أعنف هجوم ضد النظام السوري، فكيف يمكن أن تكون هناك وساطة بعد ذلك؟ وكيف سيكتب لها النجاح؟! لا بل كيف سيطلب من سوريا أن تمون على أصدقائها في لبنان للموافقة على قانون المحكمة ذات الطابع الدولي، وهي التي تريدها الاكثرية لمحكامتها في جريمة لم يقل القاضي الدولي بعد بأنها متورطة فيها بشكل أو بآخر؟!