نـزار صبــاغ

يقول الكثير من الباحثين ، وتقول الكثير من المقالات والدراسات ، كما تقول الوقائع ... أن الكثير من المسؤولين في بعض دول ما يسمى العالم الثالث والتي تطمح إلى الوصول لمرتبة العالم الأول ، يتجاوبون نسبيا مع شكاوى وطلبات المواطنين وبخاصة من يطمح منهم للمزيد من الكراسي والمناصب ، وبالطبع فإنه واقع الحال لدينا والذي لا ننكر بقدر ما نتمنى أن يكون التجاوب ... حقيقياً . لكن النظرة لدينا نحن المواطنين وعن موضوع ما قد تختلف عن النظرة لدى المسؤولين حول ذات الموضوع ، فقد نعتبرها حاجات وهم يعتبرونها رغبات ... قد نعتبرها أموراً أساسية بينما يعتبرونها أموراً ثانوية بالنسبة لمؤامرات العولمة الشريرة ... وقد نعتبرها أموراً مصيرية وحساسة بينما يعتبرونها أموراً إدارية تنظيمية ضرورية تعويداً للمواطنين على تحمل المسؤولية(هكذا) وتحقيق النظام (؟) . ولأجل هذه المتطلبات وتلبية لرغبات الأخوة المواطنين ، تقوم الجهات الإدارية المسؤولة في بلادنا بدراسة جميع الشكاوى الواردة إلى القطاعات التي تخصها ، وتعالجها بحكمة وروية بعد دراسة مستفيضة للواقع وحتمية الوصول إلى تطبيق الخطط المستقبلية ، آخذة بعين الاعتبار متطلبات حاجات ورغبات المعيشة والمواطنين وتطورات الحياة ومستلزماتها ...إلخ ( هكذا يقولون) . وإضافة إلى جميع وكل ما تقدم ، فإنهم يتقبلون بكل رحابة صدر ما يتردد أمامهم أو خلف ظهورهم أو يكتب من مقالات ضمن شبكة الويب ، والذي يصلهم جميعه حرفياً وكأنه أمامهم ، من استفسارات خجولة أو انتقادات ناعمة أو شديدة أو مقترحات عادية أو خارقة أو جيدة أو تافهة أو مليئة بالتناقضات ...إلخ ، فيأخذون منها ما يتطابق مع رؤيتهم للأمور ، وللخطط التي يقرونها ، وللتوجيهات التي يرتؤونها ... لا أعتقد أننا لا نزال نعتبر كمجموع بشري أو رقمي أو مجرد رقم في الحسابات ، أم أنه كذلك لدى البعض من أصحاب القرار... ؟ وإن كان ، فهل هذا مفهومهم للمسؤولية ، ولدولة المؤسسات ، وللتشاركية وللتنمية المستدامة ...؟ وهل بهكذا قرارات يكون العمل بتلبية رغبات المواطنين ؟ لا نعلم إن كان التقييم يعتمد على عدد القرارات المأخوذ من قبل كل مسؤول محلي ، بغض النظر على النوع .. وبما أن الأمر لدى البعض منهم هكذا ، فلن نستغرب يوماً إن وجدنا أمام مكاتب كل منهم ... عداداً لتسجيل قراراتهم . ولكي لا يتهمني البعض بأني أتناول ما يعتبر خطوطاً حمراء أو برتقالية على مستوى الوطن ، سأشير صراحة إلى أنني أذكر ما هو متعلق بمحافظة حماه .

ومنها على سبيل المثال ، القرار القاضي بتطبيق التسجيل المسبق للدور وتحديد عدد الآليات أو مقدار الأوزان التي لا يجوز تجاوزها يومياً وخلال ساعات دوام محددة ، في الصوامع التخزينية للحبوب والمرتبطة تماماً بالسادة المزارعين أو الفلاحين (لا فرق) منتجي الغلال والمخزون الاستراتيجي والتصديري من القمح ، وذلك لتسليم محصول أراضيهم من القمح بنظام وترتيب ضمن أوقات نظامية وبتسلسل رقمي وبأيام محددة ، اعتماداً على وجهة نظر قائلة بأنه يمكن تنظيم موضوع تنفيذ حصاد الأراضي ببرنامج زمني يومي مهما كانت مساحة الأرض ، وأن الآليات من حصادات وناقلات و"تراكتورات وتريللات " جاهزة حين الطلب أو أية إشارة من المواطن المزارع أو الفلاح ولا تصيبها الأعطال ، وأنه يمكن العمل بساعات دوام نظامية مع ساعات عمل إضافي وتكفي ورديتان فقط مع فترة استراحة لتناول طعام الغذاء .... مجرد وجهة نظر لصاحب رأي كائناً من كان ، يتم العمل بها دون دراسة واقعية حقيقة لها وتطابقها مع واقع موسم الحصاد ، أو أية دراسة لإمكانية العمل على ثلاث ورديات 24/24 كما يتعاملون في دول العالم الأول ( التي لا تزال تسمى بالامبريالية والرجعية وصاحبة المؤامرات على أمتنا باعتبارها داعمة للعولمة الشريرة ) خلال مثل هكذا مواسم مهمة بالنسبة لشريحة واسعة من مواطنيها كما هي تعتبر الشريحة الأوسع من مواطنينا، وبفترة زمنية وجيزة بالنسبة للوقت الموازي ل /365/ يوم والمسمى"سنة" .

ومنها على سبيل المثال أيضاً ، القرار القاضي بإلزام سائقي سيارات الخدمة العامة "التاكسي " العاملة ضمن المدينة بتشغيل العدادات ، استجابة لشكاوى الأخوة المواطنين ولما ورد في مقال ضمن موقع "سيريا نيوز" يتضمن شكوى عن موضوع الأجور التي يتقاضاها سائقوا السيارات المذكورة ، حيث تفاجأ البعض القليل من مواطني المدينة بإعلان في الصفحة الأولى من جريدة "الفداء" المحلية موجه إلى سائقي سيارات التاكسي بضرورة تشغيل عدادات السيارات تحت طائلة الحجز ، كما إعلام المواطنين برقم هاتفي للاتصال وتقديم الشكوى حين عدم الاستجابة من السائق أو مخالفته للقرار ... علماً انه كان قد صدر قرار منذ فترة بعد رفع أسعار البنزين ، وبتوقيع السيد محافظ حماه ، يتضمن تحديداً لأجور استخدام السيارات المذكورة وفقاً للمسافات الخاصة بالأماكن المقصودة ، وتم لصق صورة عن القرار المذكور على الزجاج الأمامي لجميع سيارات الخدمة . كما لم يلحظ أحداً من القائمين الزيادة الهائلة في أعداد السيارات الصفراء العاملة ضمن مدينة حماه وبشكل لا يتوافق أبداً مع حجم طلبات الاستخدام ، وما تسببه من ازدحام في الشوارع المزدحمة أساساً ، ومن تلوث هوائي وضجيجي ، عدا عما تسببه من فوضى جراء وقوفها العشوائي وإيجادها مواقف قسرية بأرتال وصفوف. إضافة ، إلى عدم معرفة الكثير من سائقيها بقواعد السير والمرور وعدم معرفة غالبيتهم بأصول وآداب وأخلاقيات المهنة ، عدا عن عدم معرفتهم بأحياء وشوارع المدينة وعدم وجود عدادات في سياراتهم .... جميعه بالرغم من التنبيهات المختلفة الصادرة عن كثير من المواطنين حول هذا الموضوع والمطالبات المتعددة بتحديد أعدادها وعدم السماح بالموافقة على الزج بأعداد إضافية منها إلى الشوارع .. صدر القرار الجديد المشار إليه ونشر بصيغة إعلان في الجريدة المحلية التي تتداول وتقرأ من قبل نسبة ضعيفة من المواطنين ، ودون إعلام للسائقين .. وتم الطلب ضمن الإعلان بالتقيد بمضمونه ومن الجميع . فهل كيفية ما حصل يندرج ضمن مبدأ الاهتمام بالمواطن والتشاركية والتنمية المستدامة..؟ ألم يتوقع أحدا من أولى الأمر أن الإعلام والتطبيق بالطريقة التي اعتمدوها سيسبب قدراً من الإجحاف بحق السائقين وقدرا من المشاكل بينهم وبين المواطنين ؟... ألم يكن من الأجدى النظر إلى ضرورة تحديد موعد زمني للبدء بالإلزام بتطبيق العمل بالعدادات وإعلام الجميع بواسطة لافتات قماشية كما اللافتات التي تزرع بمناسبات مختلفة ، ويتم خلال الفترة المذكورة تركيب عدادات للسيارات التي لا تحملها وتعديل العدادات القديمة ؟... ألا يمكن وضع ملصقات تحمل التنبيه اللازم على الزجاج الأمامي لجميع سيارات الخدمة تحمل التعليمات المذكورة ورقم هاتف الشكاوى ومبلغ الإضافة على قيمة الرقم الذي يسجله العداد القديم ريثما يتم تعديله ؟... ألا يمكن التعامل بشكل حضاري مع ما له تماس وعلاقة مباشرة ويومية مع المواطنين ؟

ومنها على سبيل المثال أيضاً ، الاهتمام بالمواطنين من خلال معالجة مشاكل التلوث البيئية ضمن المدينة ، كالوعود بنقل المنشآت الصناعية والاقتصادية الموجودة في منطقة حي البعث إلى أماكن أخرى ، ومعالجة تلوث نهر العاصي وبخاصة ضمن مركز المدينة ... هذه الوعود التي تكررت لفترات زمنية مختلفة ومتلاحقة وصدرت من مسؤولين متعديين بمراتب وظيفية ومسؤولية مختلفة كان آخرها خلال زيارة السيد نائب رئيس مجلس الوزراء إلى المدينة . إننا ومن خلال تجربتنا المحدودة نعلم ، أن التوجيهات والوعود والتوصيات يمكن لها أن تبقى مجرد كلمات في الهواء أو على الأوراق ، إن لم تصاحبها قرارات صحيحة ، وتنفيذ عمليات التنسيق اللازمة مع الجهات صاحبة العلاقة من وصائية وغيرها ... تبقى مجرد وعود كلامية إن لم يتم الإعلان عن البرنامج التنفيذي والزمن المحدد لكل مرحلة تنفيذية ، وزمن البدء وزمن الانتهاء ... تبقى مجرد وعود كلامية إن لم تكن هناك متابعات جدية وحقيقية وعملية لتلك المراحل ، وإن لم تكن هناك اعتمادات مالية مرصودة للتنفيذ .

لكن ، وقولاً حقيقياً وإظهار لعمل جاد ، فإن البعض من القرارات تتخذ خلال أو بعد القيام بجولات وزيارات ميدانية مفاجئة دون إعلام أو إشعار مسبق عنها والجهات المنوى زيارتها ، حيث تتكشف الحقائق حينها ويتوضح المسيء والمخرّب الحقيقي ، وتظهر الأعمال التنفيذية الحقيقية الواقعية لا الرقمية ونسبها الوهمية ، وحيث تتم الدراسات الميدانية ومقارنتها بالخطط الورقية وما يتوجب أن يكون ويتم تنفيذه واقعياً وتطبيقاً حقيقياً للمصلحة العامة ، ويتم الحصول على آراء المواطنين بصورة طبيعية ومباشرة لا من خلال التقارير المكتبية ومن جهات أو أطراف محددة ... كما حصل جراء زيارات ميدانية إلى بعض المناطق في المحافظة .

بالنسبة لنا ، قد لا أكون مغالياً حين أذكر أننا مثل هكذا قرارات نريد ونطالب ، قرارات تتخذ بعد إجراء دراسات تشاركية حقيقية مع المواطنين المتنورين لا مع جهات محددة فقط ، قرارات تتخذ بعد استقصاء آراء حقيقي لا لمجرد رأي مكتبي أو تنفيذاً لرغبة أو توجيه ، قرارات تتخذ مع برنامج تنفيذي وزمني ومتابعات لمراحل التنفيذ ، قرارات تعتمد في تنفيذها على تعامل حضاري مع المواطنين باعتبارهم قيمة كبيرة لا رقم عددي ، قرارات صحيحة تتوافق مع النظرة المستقبلية لما نريد أن تكون عليه بلادنا .

فالعداد أيها السادة يراقب ، ويعد ويتابع ... ما يتوجب أن يكون قراراً سليماً صحيحاً ، ونأمل ألا يستمر بإحصاء وتعداد ... غيرها من قرارات .