صلاح عمر العلي - صحيفة الوفاق الديمقراطي

في منطقة الصالحية توجد كما هو معروف مؤسسة الاذاعة والتلفزيون ووزارة الاعلام ويكتظ فيها عدد كبير من شركات ومكاتب السفر الداخلية والخارجية بالاضافة الى عدد آخر من الدوائر والمكاتب الحكومية، وهي لا تبعد عن مدخل المحمية الامريكية المسماة بالمنطقة الخضراء سوى بضع مئات مــن الامتار تقوم مجموعة من المسلحين في ساعات النهار القائظ، - وهم يرتدون زي الشرطة الرسمي ويستعملون سياراتها ويحملون اسلحتها ويضعون فوق اكتافهم رتب الشرطة ونياشينها الرسمية، - باحتجاز مواطنين لا يقل عددهم عن خمسين شخصا بينهم عاملون في مكاتب شركات النقل ومواطنون جاءوا لترتيب معاملات سفرهم الى خارج العراق هربا من الجحيم الذي يعيشوه في ظل العراق المحرر على ايدي قوات الاحتلال، وآخرون ليسوا من هؤلاء ولا من اولئك بل شاء حضهم العاثر ان يكونوا مستطرقين عبر هذه المنطقة التي يتخيل الانسان بانها أكثر امنا من غيرها من المناطق في بغداد.

ولضمان نجاح عملية خطف هذا العدد الكبير دون مضاعفات فقد استعملوا اكثر من عشر سيارات لهذا الغرض حيث كدسوا المخطوفين داخلها ثم اتجهوا بهم الى وجهة غير معلومة.

ان هذه العملية لم تكن الاولى وسوف لن تكون الاخيرة بين عمليات الخطف التي تتهم فيها قوى الشرطة احيانا وقوات الجيش احيانا اخرى. وفي كل مرة وعلى اعقاب كل حادثة تحصل على هذا المستوى نسمع تكذيبا روتينيا سريعا من قبل وزارتي الداخلية والدفاع احيانا او قيادة قوات الشرطة احيانا اخرى حتى اصبح موضوع التكذيب وطريقة استعماله وسرعته التي لا تتناسب مع التحرك من اجل ملاحقة هذه العصابات الاجرامية دليل ادانة اكثر منه دليل براءة.

ومن اجل الوصول الى الحقيقة فان سؤالا كبيرا يطرح نفسه في هذه الحالة التي نحن بصدد الحديث عنها. من هي هذه الجهة التي بامكانها تسيير هذا العدد الكبير من السيارات وهي محملة بمسلحين ويقومون بمداهمة مكاتب للسفر في منطقة الصالحية ثم يختطفون اكثر من خمسين مواطنا وفي وضح النهار وهي منطقة تجوب فيها سيارات الشرطة والنجدة ومختلف عجلات قوات الاحتلال العسكرية ليلا ونهارا دون انقطاع؟

فاذا ساورنا الشك بان من يقوم بمثل هذه العمليات وبهذا الحجم الكبير وفي منطقة محمية بهذه الكثافة هم جماعة القاعدة او البعثيين او الصداميين او النظام السابق او التكفيريين او حتى المقاومة الوطنية العراقية فاننا نقع في مغالطة كبيرة ووهم شديد، ذلك ان مثل هذه العمليات تحتاج الى قدرات وامكانات لوجستية وامنية وتنفيذية فائقة الجودة وعالية المستوى توفر لها امكانيات تنفيذ هكذا عمليات بدرجة عالية من الاتقان والنجاح، تفوق عشرات المرات امكانيات منظمات ارهابية او حزبية او مقاومة وطنية.

وان من يمارس هذه الاساليب العبثية بارواح المواطنين الابرياء لابد ان يكون هدفه ابعد من ايقاع الاذى بالمواطنين المستهدفين ذاتهم، وصولا نحو تحقيق اهداف تتناقض ومصالح الشعب العراقي.

ومن هنا فلا يجب ان نقع بوهم الاعتقاد بان هذه العملية وما يماثلها من العمليات العديدة التي حدثت في بغداد وغيرها من المدن العراقية والتي ستحدث في مقبل الايام لا محالة لا يمكن ان تكون صناعة عراقية بل هي صناعة يقوم بها طرف خارجي له مصلحة مباشرة في خلق حالة من التازم والتوتر في العلاقات الاجتماعية بين مكونات الشعب العراقي كمقدمة للانزلاق في حرب داخلية توظف لصالح الجهة المنفذة او من يقف خلفها.

والعملية التي نحن بصدد الحديث عنها لم تات معزولة عن ما يجري في العراق من احداث مماثلة يلفها الكثير من الشك والريبة، بل جاءت كحلقة في سلسلة مترابطة من العمليات المتواصلة التي تحدث بشكل متواصل في مختلف انحاء العراق، الامر الذي يمكننا من الحكم بانها لم تكن من فعل فئة بسيطة التنظيم ومحدودة الامكانات بل جاءت كمحطة في سلسلة الافعال المريبة التي تمارس على ارض الرافدين منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات.

ان العراق تحول منذ يوم الاحتلال الامريكي عام 2003 الى ساحة مفتوحة لعدد لا يحصى من عصابات الخطف والاغتيال والقتل وهي تمارس نشاطاتها في وضح النهار وبصورة علنية ولها مكاتبها ومراكزها السرية والعلنية في عدد من مناطق بغداد المختلفة وعدد من المحافظات العراقية المهمة، منها من تطلق على نفسها شركات الحماية الامنية ومنها من تتخذ عناوين اخرى ولكنها في جوهرها لا تخرج عن كونها عصابات دولية واقليمية تمارس مهماتها بالنيابة عن دول وجهات اجنبية لها مصالح كبرى في ابقاء العراق يرزح تحت نيرالاحتلال ويعيش حالة من عدم الاستقرار وتسيطر عليه الفوضى والاضطرابات والمشاكل الكبرى.

فمن يتحدث عن ضرورة استتباب الامن في العراق عليه اولا وقبل كل شيء تنظيف العراق من هذه العصابات الاجرامية وطردها نهائيا بصورة كاملة ولم يترك لها اي حضور على اي شبر من ارض العراق لا في بغداد ولا في الموصل ولا في البصرة مهما كانت جنسياتها ومن اي بلد جاءت وتحت اي مظلة تعمل وبحماية اية جهة عراقية تمارس نشاطها.

فمن يقوم بقتل المواطن العراقي بالرصاص هو نفسه الذي يسرق ثروته النفطية ليبيعها في السوق السوداء في اقذر عملية لصوصية لحرمان العراقيين من التمتع بثروتهم الوطنية وبحقهم المشروع في الاستفادة منها في رفع مستوى عيشهم وسد احتياجاتهم المعاشية.

ومن يقتل المواطن العراقي هو نفسه من يعمل على تاجيج الصراع الطائفي بين مكونات الشعب العراقي ومن يقتل المواطن العراقي او يخطفه هو نفسه من يتواطؤ مع الاجنبي على حساب مصالح الشعب والوطن فلا يمكن لاي مواطن شريف ان يقدم على مثل هذه الافعال مهما كان اتجاهه السياسي او انتماؤه الديني او القومي.