كان مناسبا جدا أن تقع نانسي عجرم، المغنية اللبنانية المعروفة، في وسط مستنقع العلاقات اللبنانية السورية، ولم لا ؟ فهي الوحيدة كما يبدو لم تتبنَّ موقفا وتأخذ خطا سياسيا فيما يجري بين البلدين. ففي خبر تناقلته الوسائل الاعلامية المختلفة قيل فيه إن نانسي عجرم ترفض الغناء في سوريا، وسرعان ما تفاعل الشارع مع هذا «الموقف» ولكن نانسي عجرم سرعان ما توجهت الى دمشق لتعقد مؤتمرا صحفيا تنفي فيه ما قيل وتفند الأكاذيب التي صدرت بحقها.

ويبدو أن موقف نانسي عجرم السياسي الأخير شبيه بكلمات أغنيتها الأخيرة التي تقول فيها «يا طبطب وادلع يايقولي أنا اتغيرت عليه!» ويبدو أن هذا هو الواقع السياسي العربي عموما واللبناني السوري منه تحديدا، فمساحة النقد «المسموحة» في لبنان تقلصت بشكل عجيب وتلاشى التسامح الاعلامي الكلاسيكي، وباتت فوق بيروت غمامة مخيفة تغطي على الحرية التي عرفت بها، واختفت وغابت عناوين الكتب المهمة التي كانت بيروت تتميز بها، أما الصحافة اللبنانية بالعموم باستثناء مطبوعتين فقد تحولت الى أبواق حزينة تعكس الواقع اللبناني المتغير الجديد. والآن لا تزال الساحة اللبنانية متصدعة جراء ردود فعل عنيفة باتجاه برنامج تلفزيوني فكاهي أظهر شخصية سياسية وهي «حسن نصر الله» في شكل لا يليق بحسب تعبير المحتجين، وطالما كان حق انتقاد الشخصيات اللبنانية بلا استثناء مكفولاً لوسائل الاعلام اللبنانية، بل واعتبر ذلك إحدى المزايا المعروفة والمتوقعة للإعلام اللبناني. ولكن في ظل مسلسل «التدخل» الخارجي في الشأن اللبناني ونقل عِلل وعُقَد بعض البلدان الى الداخل اللبناني نفسه فقد تغيرت تركيبته الثقافية ومساره السياسي بشكل حاد وعنيف.

هذه الخسائر التي تمنى بها الساحة الاعلامية في لبنان من الضروري أن تلقى الاهتمام العربي وأن يتم الاستفادة مما يحدث، فهامش الحرية الذي كان لدى لبنان تقلص ومن الممكن ـ نظريا وعمليا ـ أن نرى نفس التجربة ونفس النتيجة تتكرران في أكثر من بلد عربي تحت ذرائع وأسباب مختلفة، فهناك شخصيات مطلوب نقدها وبشدة في أكثر من بلد عربي ولكنها تتغطى بعباءة «الشخصية الدينية» المناسبة التي تمنحها حصانة ومناعة إعلامية سياسية غير مسبوقة وبالتالي معطلة مجالات حيوية للاصلاح والتقدم والتنمية. «عجرمةُ» السياسة في العالم العربي وخلطُ الأوراق بين المقبول واللامعقول لم يعد من الممكن قبولهما ولا الاستمرار في ممارستهما، فالنقد ليس ممارسة طائشة ولكنه وسيلة حقيقية لمراقبة الذات وعلاج المعضلات.