تُكتسب معرفة الظواهر بأعمال الفصل والتمييز في ما بينها. كذلك الموقف من ظاهرة بعينها أو مجموع ظواهر، فهو يُصاغ على قاعدة اعمال الفصل والتمييز.

المشكلة تبدأ حين نخال أن الفصل أو التمييز تحصيل حاصل، وليس علينا الا استرجاعه أو ترميمه، وأنه في مطلق الأحوال قابل للاستحضار، غبّ الطلب، أقرب الى قول البداهات. من هذه الاشكالية العامة أو المجردة يمكن الالتفات الى ما تتداوله السياسة والخطابة في لبنان، ويعني كلا من لبنان وسوريا.

فما راج في <عام الاستقلال>، واستمر في <عام الخيبة>، هو اعمال التمييز أو الفصل بين <النظام السوري> وبين <الشعب السوري>. هذا الشكل من التمييز أو الفصل يكابر عليه الموالون للنظام ويرونه محض تسويف، أما الأخصام الأشاوس لهذا النظام ممن يكابرون بدورهم على معطيات الواقع، فإنهم يجعلون من هذا التمييز مقاماً متعالياً على كل مقام، كما لو أن <النظام> هبط على سوريا من المريخ، أو كما لو أن <الشعب> في سوريا يوالي خلسة قوى 14 آذار.

ثم إن غلاة التمييز بين <النظام> و<الشعب> في سوريا كما لو أن النظام شرّ مطلق والشعب خير مطلق، انما يستعيدون ثنائية الجلاد والضحية بشكل رتيب وفاقد سلفاً للقدرة على المبادرة والتحسين في الداخل السوري. ويتداخل في هذا الغلو عنصران متنافران في الأساس:

عنصر يتوهم أن <انتفاضة الاستقلال> لبنانوية شكلاً، وعروبية مضموناً، بصرف النظر عن طبيعة الظروف والشعارات والأمزجة، وأن مهمة هذه الانتفاضة في نهاية المطاف جلب الديموقراطية الى سوريا.

عنصر يكثف العنصرية اللبنانية بشكل ذكي ومنمّق حينما يدّعي أنه لا يكن مشاعر عداء للشعب السوري، وإنما للنظام السوري فحسب. في هذا الاطار بات واجباً التفريق بين التضاد السياسي مع النظام السوري من موقع الديموقراطية والحداثة وبين التضاد المتذاكي، الذي عبثاً تخفي قشرته لبّه العنصري. بلى، ثمة حالة يمكن تسميتها بالعداء العنصري للنظام السوري. وهذه الحالة هي شكل من أشكال معاداة الشعب السوري، وليس العكس. لا يعني ذلك أن ثمة تطابقاً بين <النظام> و<الشعب> في سوريا، فهذا النظام يتحمل مسؤولية جسيمة عما ألحقه بالعلاقات بين الشعوب الشامية جراء عقود من سياسات الكيد والتركيع والإلغاء واستئصال الحيويات الوطنية الديموقراطية أو افسادها. يفتقد نظام كهذا الى شرعية دستورية، بل إنه في الواقع لا يدّعيها، اذ يجنح بدلاً منها الى سياسات <إضفاء المشروعية>.

وهو ينجح فيها بالقياس على المجهول أو الغائب، أي بإدارة الخوف ليس مما يمتلكه من أسباب البطش بل من الفراغ الذي يمكن أن ينشأ في حال تعطّل هذا البطش. لذا، حريّ بغلاة التضاد بين <النظام> و<الشعب> في سوريا، وأنصار تأديب هذا النظام على طريقة ميلوسيفيتش وصدّام وغوانتانامو، أن يقدّموا إجابات واضحة تحرّر الشعب السوري ليس من الخوف من البطش، اذ ليس من شعب يخاف البطش بحد ذاته، وإنما الخوف من المجهول أو الغائب. ما هو برنامج هؤلاء الغلاة في ما عنى قضية <الأرض>؟ لا يمكن التهرب من هذا السؤال بأحابيل كلامية. لنفترض أن نظاماً آخر سيرى النور في سوريا، هل سيطالب أربابه بدورهم بأن يسبحوا في بحيرة طبرية أم لا؟ ليس الغرض من هنا شطب الفصل أو حتى التضاد بين <النظام> و<الشعب> وإنما الاشارة الى أن هذا الفصل ليس مجرد بداهة نستحضرها كيفما اتفق.

من حق الديموقراطيين قبل سواهم أن يعترفوا بأنه يمكن، في ظرف معيّن، لشعب تحت نظام سلطوي أن ينكمش أو يلتف حول هذا النظام. ومن واجب هؤلاء الديموقراطيين أن يفسّروا هذه الظاهرة ليس بالبطش وحده. المقاربة الليبرالية خاوية في هذا المجال.

يبقى أن التمييز بين <النظام> و<الشعب> في الحالة السورية، منظور لها ابتداء من لبنان ودهاليزه، انما هو تمييز يتقاطع حيناً، ويتعارك حيناً آخر، مع التمييز الذي خلصت إليه طاولة الحوار، بين مجرى التحقيق الدولي وبين العلاقات اللبنانية السورية، وهو اتفاق تحقق بالاجماع إلا أن كل طرف فهمه على هواه، فعند 8 آذار هذا يقضي بوجوب الكف عن انتقاد النظام السوري، ما يعني بالمحصلة إلغاء التحقيق الدولي، أما عند 14 آذار، فهذا يقضي بوجوب محاربة <النظام السوري> على جبهتين: التحقيق الدولي في اغتيال الحريري من جهة، وقضية <ترسيم الحدود> من جهة أخرى.

لإعادة التوازن إلى ما نتداوله من تمييز بين <النظام> و<الشعب> أو بين <التحقيق الدولي> و<العلاقات> يجدر صياغة تمييز مبدئي وعملي بين <الدولة> و<النظام> في سوريا. بعكس التمييزين السابقين، لا يمكن للأخير أن يُستدعى لمجرد التسويف أو التذاكي، أو أن يظهر بلباس البداهة. التمييز بين الدولة والنظام في سوريا هو شرط إمكان فطم العلاقات بين لبنان وسوريا.