صعّد المطالبون بتغيير حكومي في الآونة الأخيرة من وتيرة مطلبهم بالتزامن مع تطورات اقليمية لها انعكاسات مباشرة أو غير مباشرة على الوضع الداخلي، انطلاقا مما يجري في العراق منذ أشهر وما يبدو نذير اقتتال داخلي في فلسطين، على خلفية <الكباش> المتحول على ما يبدو الى تفاوض مباشر بين الولايات المتحدة وايران، مرورا بمسار التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومضاعفات كل ذلك على الحليف السوري، فيما تسعى فرنسا الى اصدار قرار جديد عن مجلس الأمن لتوسيع صلاحيات لجنة التحقيق كي تشمل جرائم الاغتيال الأخرى وعمليات الارهاب الأربع عشرة.

ويلاحظ المراقبون ان المطالبين بتغيير حكومي يستعملون لغتين: الأولى بلسان الرئيس عمر كرامي تطالب صراحة بإسقاط الحكومة، كما تجلى في مهرجاني الأسبوع الماضي، في طرابلس وزغرتا؛ والثانية ينطق بها <حزب الله> الذي طالب أمينه العام السيد حسن نصر الله بحكومة <وفاق وطني>، خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده اثر أحداث الشغب التي حصلت ليل الأول من حزيران، وكررها الاثنين الماضي عند زيارته الرئيس سليم الحص.

أي ان كل الذين اصطفوا في الجبهة العريضة التي اطلق عليها اسم <اللقاء الوطني>، الذي اعلن من فندق <الماريوت>، والذين لا تمثيل لهم في مجلس النواب والمعتبرين في الصف السوري، يسعون جهارا لاسقاط الحكومة عمليا في الشارع، فيما يحاول <حزب الله>، ربما بخفر، استعمال مطلب <حكومة وفاق وطني> لابقاء سيف الضغط مصلتاً على شركائه في حكومة فؤاد السنيورة، وعينه على ضم شريكه في <ورقة التفاهم> النائب ميشال عون. ويقف <التيار الوطني الحر> بين الاثنين حائرا بين رغبات قائده وتوجهات قاعدته المسيحية...

وفي هذا السياق، ترى مصادر في الأكثرية النيابية ان هدف الفريق الأول المطالب بإسقاط الحكومة، هو اساسا لإحداث جو من البلبلة وخلق مناخ ضاغط في الشارع يؤدي الى فراغ دستوري ويضع البلد أقله في حال من الارباك السياسي والشلل الاقتصادي. فبرغم علم هذا الفريق باستحالة مثل هذا الخيار الذي تعوزه أكثرية نيابية، وصعوبة لا بل استحالة ايجاد بديل للسنيورة والطرف السياسي الذي يمثل، الا انه يسعى الى خلط الاوراق عبر اعادة الكرة الى رئيس الجمهورية وتمكينه من استعادة دوره الدستوري وصلاحياته المعطلة، وربما الخروج من العزلة التي يعيش باستثناء استقباله بعضا من النواب السابقين ورؤساء البلديات والمخاتير والجمعيات...

وتعتبر هذه المصادر ان استقالة او سقوط الحكومة في هذا الظرف يعني ان اللعبة ستصبح في يد رئيس الجمهورية، الذي بإمكانه وعليه ان يمارس دوره كحَكَم ويشكل <ضمانة> للموارنة، بدلا من ان يتحكم بأي تشكيلة أو يمارس دور المعرقل عمليا لقيام حكومة تحتاج في النهاية الى موافقته وتوقيعه على مرسوم تشكيلها. وأبسط دليل على ذلك رفضه لغاية الآن الموافقة على تثبيت أحمد فتفت في وزارة الداخلية وقبول استقالة حسن السبع. وهذا يتلاءم مع مخطط ورغبات سوريا التي لا تزال ترفض تحديد موعد لزيارة رئيس الحكومة، رغم تأكيدات نبيه بري ان أبواب دمشق مفتوحة أمامه.

وترى المصادر نفسها ان النظام السوري يسعى للاستفادة من الارباك الداخلي في صفوف الأكثرية و<قوى 14 آذار>، ومن الظرف الاقليمي، لاستعادة نفوذه ودوره في لبنان عبر المراهنة على حلفائها من اللبنانيين كي تبرهن للداخل والخارج ان البلد لا يستقيم من دون <رعايتها>.

أما الفريق الثاني الذي يمثله <حزب الله>، فإن مصادره تعتبر ان المقصود من <حكومة وفاق وطني> ليس اسقاط الحكومة الحالية المشارك فيها، وانما توسيعها كي تضم قوى موجودة خارجها، سواء كانت في البرلمان (أي <التيار العوني>)، أو خارجه <بسبب قانون الانتخابات وهي ذات تمثيل شعبي وحقيقي>، كما جاء على لسان نصر الله. وتضيف ان الهدف حل مشاكل البلد الاقتصادية والمعيشية والعلاقات مع المحيط، عندما ينتهي الحوار لأن الأكثرية <أكثريتها ضئيلة> ولا تمكنها من ان تحكم البلد بمفردها، من هنا مطالبتنا ب<حكومة وفاق وطني>. وبما ان <حزب الله> يدرك ان استقالة الحكومة مسألة غير واردة، وكذلك إشراك قوى من خارج المجلس، يبقى الهدف الحقيقي له هو <التضامن> أقله في الموقف مع شريكه <التيار العوني> الذي يصر على مطلب استقالة الحكومة.

في المقابل، تعتبر مصادر مسيحية في <قوى 14 آذار> ان <حزب الله> ليس بحاجة الى المناورات التي يلجأ اليها حلفاؤه في الصف السوري، مثل كرامي وفرنجية وآخرين. فهو يزن ويدوزن مواقفه بدقة، ولديه أكثر من سلاح يستعمله لتحقيق أهدافه، بدءا من طاولة الحوار مرورا بالاستفادة من رئاسة الجمهورية <كما هي>، الى دوره في حسم مسألة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات و>سكوته> عن الاعتداءات التي تعرض لها الجيش، انتهاء بالخروقات الأمنية و<الصواريخ المجهولة> في الجنوب.

وتقدم المصادر ذاتها قراءة مختلفة لموقف رئيس المجلس نبيه بري، الذي تؤكد انه يحذر من خطورة المطالبة باستقالة الحكومة او بقيام <حكومة وفاق وطني> في هذه الظروف، نظرا لاستحالة تشكيل حكومة بديلة أو ايجاد رئيس بديل للسنيورة. وتؤكد ان ما يهم بري في هذه المرحلة هو اعادة تعبيد الطريق بين بيروت ودمشق، سواء مباشرة على رغم صعوبته، أو عبر وساطة عربية كما يحاول في مسعاه المصري.

وتكشف المصادر ان رئيس المجلس، بعكس بعض الحلفاء، غير مرتاح لبقاء الرئيس اميل لحود في بعبدا لما لذلك من تأثير سلبي على المناخ الداخلي العام، وعلى العلاقات بين القوى السياسية، خصوصا المسيحية منها، وبالأخص على بكركي المستاءة من التهميش والتهشيم اللاحقين بموقع الرئاسة مع استمرار لحود في بعبدا. وتذكر ان بري قرر أكثر من مرة انه يقف وراء البطريرك الماروني في ما يخص موضوع الرئاسة، وربما يدخل هذا العنصر في مسعاه العربي.