د. أحمد حافظ

هكذا كتب العجيلي الفرات أما النبع: فماء مطمئن ولكنه مستودع طوفانات, فوران ازلي ولكنه في كل دفقة جديد, صخر صموت ويكمن الخرير في أعماقه كمون الحياة في إزميل الخلق, وأما المجرى: فرقي كلما انحدر المسار, وتفريع سواق كلما دنا المصب, وتأثيث حدائق آن اكتهال الفصول, وتأسيس مدائن بالشظايا الناجية من سنابك التاريخ,, قم يفغر المصب شدقه: شهقة ختام هو البدء, وجوابا هو السؤال الجديد لكن بإيقاع كثيف هذار لا يتقنه الا البحر

*

هكذا روى العجيلي حكاية الرقة: جبل البناء, ذات شمس, من مكوني الابد: مني الماء ورحم الطين؛ فتناسل القرميد... سورا كحضور الاب: يسند البدن, ويرتق الروح بالظلال, ويشحذ البصيرة بنبيذ الدهور... بوابات ككيان الأم: القامة صلاة, والصدر مؤونة, والثغر مرحبا... بيوتا كذرية سعيها شتى: تتكافل في المواسم, وتتزاحم في العصف, وتوزع عرق أرواحها بين شمس القمح وفيء المواويل.

وصيغ الناس بحكمة البراري عجينا كريما في فرن الزمن: يحسبهم رقودا في جوفه وهم أيقاظ راؤون. يهيج عليهم الغبار فلا يطمر إلا مواطيء نعالهم, ويستبد الفيض فيستنبتون مما غمر وأغرق نيسان أودية وأجراس رعاة, وتخلخل مصائرهم الحروب فيستلون الذرى وينفحون بالدم جمر اليقين.

ومن عصر لعصر تتصفى خلاصة صبرهم في فرد حاسم يشتق سموه من مكابدات الجمع: تحديا واختراقا. ألم يقف الرشيد هاهنا – بعد تاريخ من توسل الغيم واستجداء السراب – بياهيا الغمامات بسلطانه: "اهطلي حيئما شئت, فخرجك – لابد – آتيني."؟

ألم ينطلق صقر قريش من هذه الضفة, اعزل إلا من بصيرته, وحيدا إلا من نار فجيعته بأهله صرعى الحراب, مودعا الشام – وقد ضاقت به – ليلحق الدنيا قرونا ببستان هشام؟ وأخيرا – لا آخرا – ألم يخترق العجيلي حجب الأمية والفقر والأوبئة, ليرج منبر الأمم المتحدة مرتين مؤنبا الأمم عما سفكت من حقوق الإنسان؟ ألم تصل حكايات عيادته المكتظة بضحايا السل والخرافات والجفاف الى مسمع الأقاصي, وبغير لغة, فتبهر العقول وتخصب الأخيلة؟. ألم يرصد ابن هذه القرية الكبيرة المتناساة ضوء أسلافه في قناديل مدن اسبانيا, وينفض عن تمثال جده عجيل بن زبدي غبار أقبية اللوفر؟.

*

فلو شئت أن أقف موقف الساقية من النهر, لقلت: "لم يمت العجيلي... لكن بلغ مصبه" . ولو شئت أن أكمل سرد حوار هذه المدينة مع الغمام, لقلت: "لم يرحل العجيلي... لكنه ارتدى غيمة عصت الرشيد, ليهطل في بؤرة أخرى من هذا الكون".

ولو شئت أن أشيع الحكيم الذي تشرفت بزمالته ووده ودعمه, وتعلمت منه كيف أسمع حفيف الروح آن أصغي لنبض القلب, وكيف أستقصي أمواج النفس إذ أحس مكمن العلة في الحشا, لقلت: "لم يسكت الجيلي.. لكنه آثر سؤال الغياب على جواب الحضور".

*

لكنني – في العمق – حزين. أغمض قلبي على نبل محياه, وأقول ما قال السلف: "قد كنت أوثر أن تقول رثائي يا منصف الموتى في الأحياء".

الرقة 15/05/2006