القراءة بين السطور ممتعة ، لأنها توضح تماماً خلجات النفس الإنسانية لمن نقرأ له ، وما يحاول وصفه أو سرده ، وما يحاول تحليله والكتابة عنه وبخاصة في أوقات الأزمات السياسية أو الاجتماعية أو سيطرة اتجاه فكري أو ثقافي على العموم... والقراءة بين السطور شاقة وممتعة ، لمن يراقب ويتابع ويدرك إسقاطات الواقع على النفس البشرية ، واللاشعور على التصرفات الإرادية ، الناجمان عن ظروف منوعة حقيقية ... أو خيالية صنعها وهم أو خيال لا يجوز وصمه بالمريض قدر صحة وصمه بشخصية معدومة .

ينطبق الأمر على من يندفع لرفع راية الوطن ، علم الجمهورية عالياً في مناسبة وطنية ، ويرفعه مقلوباً ، أمام منزله ، أو متجره ، أو يأمر ( أو يوجه لا فرق) موظفه أو موظفيه برفعه ، فيندفعون لنيل الرضا ولا فرق إن رفعوه صحيحاً او مقلوباً كونهم يعلمون أنه ما من فرق عند آمره بوضعيته لأنه مثلهم ، نسي أو تناسى رمزه الأعلى والأسمى ، فما يهمه رضى أولى الأمر عن وجود الأعلام والرايات الوطنية أمام مركز عمله / وظيفته ... قد حصل الموضوع واقعياً وكتب العديد عنه وعن دلائله وأسبابه ، كما كتبوا عن ضرورة إعادة إحياء الثقافة المواطنية الصحيحة بالتأكيد على الانتماء للوطن أولاً ، وقبل كل شيء . ولكي لا يتهمني البعض بأني أتناول ما يعتبر خطوطاً حمراء أو برتقالية على مستوى الوطن ، سأشير صراحة إلى أنني أذكر ما هو متعلق بمدينة حماه .

فالتطوير والتحسين والتحديث وتطبيق التوجيهات في الاهتمام بالمواطنين ينطلق سريعاً في اتجاهات عدة ، وفي محاور متعددة ، منها الشكلي فقط ومنها القدر البسيط البسيط من الجوهر ، فيزداد ويتتالي تنظيف وغسيل الشوارع أمام بيوت المسؤولين تطبيقاً واقعياً لقول واحد من اثنين – واعتقد أنه " النظافة من الإيمان " – لا القول الآخر .... وتتأخر خدمات التنظيف وجمع القمامة من الأحياء نظراً للنقص في الآليات اللازمة ولقلة عدد الكوادر اللازمة رغم الطلبات المتكررة والمرفوعة إلى الجهات الوصائية صاحبة العلاقة .... وترفع الأعلام الوطنية ، أعلام الجمهورية على الصواري والساريات مع اللافرق إن كانت صحيحة أم مقلوبة بينما يرفع علم حزب البعث العربي الاشتراكي بوضعه الصحيح ... إلى ما هنالك من مظاهر شكلية من افتتاح للقاءات وندوات ومحاضرات ، وصور بارزة في الصحف والمجلات ، ولقاءات معتبرة وتعابير رنانة وخطب حماسية وكلمات توجيهية .... كل ما ذكرت يمكن أن تتم قراءة ما تحمله سطوره من مخفيات ، ومن تحليلات ، ومن رغبات وتطلعات ونفسيات وشخصيات، وحتى دون أن يكون هناك توجيهات من مصادر أعلى ...

لكن الابتكار هو أن يتوصل الفهم لموضوع التطوير والتحديث إلى تغيير الملصقات الشكلية التي تتوضع على سيارات الخدمة "التاكسي" العاملة ضمن المدينة ، - لن أتطرق إلى الكلف المادية لأنها تخضع إلى القوانين الناظمة خلال عملية تنفيذ الملصقات المذكورة من عروض أسعار إلى لجان وفواتير شراء أو إلى مناقصات وعقود حسب القيم المالية ، عدا عن أنها تجبى من سائقي (أو مالكي السيارات المذكورة ) ؟ - ...

الموضوع ليس بالجديد ، لكن الجديد الحقيقي فيه هو تنفيذ الملصقات المذكورة بعد تصميمها بطريقة تؤكد بأن جميع سائقي سيارات الخدمة منتسبين إلى حزب البعث العربي الاشتراكي ، إذ إن الملصقات المذكورة تحمل – في أسفل الشعار الموجود عليها – وبشكل قوسي ، علم الجمهورية الذي يبدأ من الجانب الأيمن وصولاً إلى المنتصف حيث يندمج مع علم حزب البعث العربي الاشتراكي ....

إنني ، ورغم تجوالي في عموم المدن السورية لم ألحظ أن الملصقات الموجودة على سيارات الخدمة العامة العاملة ضمن المدن الرئيسية تحمل دلالات أو شعارات حزبية ( لاحظوا أنني لم أتطرق إلى ما هو موجود خارج الوطن ) ، ولا اعتقد أنها كذلك إذ أن مثل هكذا خدمات لا يشترط فيها الحصر ، أي لا يشترط أن تقوم جهة محددة واحدة بتقديمها وإلا كان الموضوع احتكاراً ( وهذا بالطبع بعيد عن نطاق الاشتراكية ) ... أو أن من يقدمها قد تمت تهيئته مسبقاً للقيام بتقديم الخدمات لعموم المواطنين ( ؟؟ ) ... أو أنه ليس من أحد ممن يقدمون هذه الخدمة منتسباً إلى أي حزب آخر وحتى إن كان من أحزاب الجبهة ... أو أنه منتسباً إلى أحد الأحزاب المذكورة شكلاً لكنه بعثي قلباً وروحاً ...

حاولت القراءة بين السطور كثيراً فلم أفلح بالوصول إلى نتيجة منطقية ، إذ أن الوقائع تبتعد باضطراد كلما حاولت الاقتراب ، فما من احتمال من التي ذكرت في الفقرة السابقة ، صحيح ... كما ما من منطق لتنسيب جميع أعضاء النقابة ( باعتبار أن جميع السائقين الخصوصيين والعموميين والمستقلين والمتقاعدين -و....إلخ- نقابيين ) إلى حزب البعث العربي الاشتراكي ... كما أن المبدأ القائل بالتحالف بين مجموعة أحزاب الجبهة بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي لا يمكن له بأي حال من الأحوال إلغاء وجود الأحزاب المذكورة ضمن خارطة الحياة السياسية ... ثم ماذا عن مبدأ المعاملة بالمثل ، صحيح أن حزب البعث هو الحزب القائد ، وأن عديد منتسبيه وأعضائه يتجاوز بكثير عديد منتسبي باقي أحزاب الجبهة ، ألا يمكن في هذه الحالة إضافة علم حزب آخر بالقرب من الملصق ؟؟؟ وإن على مبدأ المراضاة وجبر الخواطر ... ثم ، ماذا لو أن حزب البعث العربي الاشتراكي قد قام بتغيير التصميم إلى تصميم آخر ، ألا يستدعي الأمر إزالة جميع الملصقات وطباعة غيرها بما يتطلبه الأمر من إعلانات ومناقصات وفواتير ولجان مبايعات ، ونزع القديمة ورميها ثم جمعها وما يتطلبه الأمر من عمالة وهدر في المحرقات واستهلاك قطع للآليات ، ثم جمع القيم المالية مجدداً من السائقين ...

قد كانت الإجابات غير منطقية كما هو واقع الموضوع الذي استدعى البحث فيه ، وتوقفت أخيراً أمام احتمالين لا ثالث لهما :
- إما أن جميع السائقين ومالكي سيارات الخدمة "التاكسي" منتسبون إلى حزب البعث العربي الاشتراكي ، فيتوجب في هذه الحالة نزع صفة عضويتهم من أحزاب الجبهة الأخرى التي ينتسبون إليها منعاً للازدواجية (؟) وإيقافاً للاستمرار بثقافة الوجهين بعد اكتشاف ازدواجيتهم الحزبية .
- أو أنه عبارة نفاق واضح وأكيد ، واعتقد أنه الاحتمال الصحيح . والتساؤل في محله ، أهو نفاق أم اكتشاف ...؟