بشّرت الحركة الشيوعية الرسمية بتعميم الاشتراكية على هذا الكوكب في القرن الواحد والعشرين، ولكن نبوءتها لم تدعمها الوقائع ، وهاهي الرأسمالية، بقانونها الأساسي – زيادة معدل الربح – تعم الكرة الأرضية جميعها، ليصبح هم التقدميين في كل مكان تخفيف درجة استغلال المنتجين عبر مزيد من الإجراءات الديمقراطية.

أما في بلدان الشرق عموماً ،ومنها بلداننا العربية، فإن سمة العصر الآن هي الانتقال من الاستبداد الى الديمقراطية، ولكن للإنصاف نقول: ان حركة التحرر العربية في القرن الماضي بشقيها الشيوعي والقومي (ناصريون وبعثيون واشتراكيون وشيوعيون) حاولت تحديث البلدان التي استلمت فيها الحكم، ولكن الاستبداد كان أقوى منها بكثير، وقد هضمها من الداخل عبر رشوة ممثليها في الحكم، لنصل الى الزمن العربي الرديء الذي أصبحت البلدان العربية فيه جميعها تحكم من قبل عائلات تورث سلالاتها السلطة، ومع كل ذلك يبقى ابن القذافي وابن الاسد وابن مبارك وابن علي عبد الله صالح أرحم من السلالات الملكية من وجهة نظري، (على الأقل هؤلاء لا يدعون ان حقهم في الحكم الهي، وان ما يجري في عروق عائلاتهم هو دم ازرق مميز مختلف عن دم السلالات البشرية العادية).

والمهم أن منطقتنا الآن تغرق في ظلام دامس، أوصلنا إليه عوامل عديدة، في مقدمتها دعم أمريكا غير المحدود لكل ما هو رجعي عربي في المرحلة الماضية، لتستفيق على تفريخ جهلنا وتخلفنا للإرهاب وهو يضربها في عقر دارها بالذات، والمشكلة التي نعاني منها كتقدميين ويساريين عرب، هو الكره غير المحدود للسياسة الأمريكية في المنطقة، حتى بعد تغير الظروف والتقاء مصلحة الشعوب العربية مع مصلحة أمريكا في الخلاص من أنظمة الحكم العربية الفاسدة . والانقسام حول السياسة الأمريكية لايوجد في الشارع فقط، بل وحتى ضمن النخب والمثقفين اليساريين العرب، وهاهي العلاقة الليبية الأمريكية الجديدة تؤجج الخلاف من جديد، فالمعادون للسياسة الأمريكية من منطلقات أيديولوجية قديمة، يجدون العلاقة الجديدة حجة بأيديهم، وينسى هؤلاء أن أمريكا دولة ذات سياسة براغماتية يهمها مصالحها بالدرجة الأولى، فهل يتوهموا بعد تأمين تلك المصالح بشكل تام من قبل القذافي ان ترفض امريكا التعامل معه ؟، السؤال الذي يطرح نفسه . هل السياسة الأمريكية الجديدة يمكن ان تقف حجر عثرة ضد الحركة الوطنية الديمقراطية الليبية، وأي حركة وطنية عربية، عندما تستطيع ان تثبت وجودها داخل بلدها؟

على العكس من الزمن الماضي فان مصلحة أمريكا تلتقي معها، ومصلحة العالم الآن هي في تجاوز تلك البنية المتخلفة التي أصبحت عبئا على الجميع.

لقد اختارت القيادة السورية طريقا آخر غير الطريق الليبي في مواجهة السياسة الأمريكية، ولو أنها دعمته بالانفتاح على شعبها وحركته الوطنية الديمقراطية، لكان من الواجب مساندتها في ذلك، اما أن تفعل ذلك توهما منها انه الطريق الأفضل للحفاظ على سلطتها، فهنا تكمن المصيبة، لا تعوزنا الأمثلة، وهي كثيرة وواضحة الآن في السياسة السورية التي تبرهن على هذه المقولة وفي مقدمتها تعاملها مع المثقفين السوريين ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: الخبير الاقتصادي السوري المعروف عارف دليلة، لقد كتبت العام الماضي مثل هذه الأيام مقالا عنه بعنوان – من قتل الحريري، من يقتل عارف دليلة – (ظل بيتي شهرا محاصرا بعده) قلت فيه : اذا كانوا يدعون أنهم لم يقتلوا الحريري، فمن يقتل عارف دليلة؟ الذي لا يملك رأس مال كبير كبيراً الحريري، ولكنه يملك مفهوما عن الرأسمال يمكن ان يفيد في اعمار سوريا أكثر مما فاد رأسمال الحريري في اعمار لبنان، وكانت مناسبة المقال مرض الدكتور عارف وتصميه آنذاك على عدم إجراء عمل جراحي له وهو داخل السجن.

الدكتور محمود صارم الطبيب والشاعر الذي يتعامل مع السياسة كما يتعامل مع الشعر وقد تجاوز السبعين من العمر

الكاتب ميشيل كيلو المعروف جيدا باعتداله وتوقيعه على العمياني لأي برنامج إصلاحي في سوريا، وقد كان عضواً في لجنة تطوير البعث، وقد بلغ السادسة والستين من عمره

المهندس فاتح جاموس الذي أمضى من عمره أكثر من ربع قرن بين اعتقال ومطاردة ولم يكن من سلاح له سوى الكلمة، وهو على أبواب الستين من العمر .

أما من هم في طريقهم الى الستين وليس لديهم من سلاح في هذه الدنيا سوى قلمهم فهم كثر مثل الكاتب محمد غانم وعلي عبد الله وولديه وصديقي العزيز خليل حسين وكمال لبواني وغيرهم.

والمثقفون السوريون يحتلون المرتبة الثانية في العالم العربي بعد القضاة المصريين في إشاعة الأمل من أجل مجتمع مدني عربي له طريقه المستقل الذي يسند الدولة ولا يتعارض معها.

المثقفون السوريون أنتجوا مؤخرا مع زملاء لبنانيين لهم ما عرف باسم – إعلان دمشق بيروت، بيروت – دمشق فكانت النتيجة اعتقال عشرة منهم ومحاولة الحصار والتضييق على الباقين، لكي يتم قطع الطريق على أي صوت مستقل عن السلطة، في حين لو تمّ الرد على الكلمة بالكلمة فقط (مع ان للسلطة ومؤيدوها القدرة على ذلك) لكان أكثر جدوى لهذه السلطة، ولكنهم كالعادة لا يجيدون حتى قراءة مصلحتهم على المدى البعيد. إن سوريا تحتاج أكثر من أي وقت مضى للرأي الآخر وهو وحده يخفف عنها الضغوط الخارجية ويجعل أحرار العالم يقفون الى جانبها، أما الرد على الكلمة بحجز الحرية فقد ولّى أوانه

جديد سوريا هذه المرة ارتفاع أصوات داخل السلطة وجبهتها الوطنية تطالب الرد على الكلمة بالكلمة وتستنكر اعتقال الموقعين على الاعلان مع انها تخالف رؤية أصحابه .

من جهتي، كوني أحد الموقعين على الإعلان، اتوجه بالشكر الجزيل الى المحامي أدوار حشوة والكاتب حسن م يوسف والسياسي يعقوب بروا لأنهم طالبوا السلطة بإطلاق سراح المعتقلين من موقعي الاعلان والرد على الكلمة بالكلمة فقط . وأطالب هنا الدكتورة نجاح عطار ان تدلي بدلوها، وهي المعروفة بدفاعها عن المثقفين اليساريين عندما تعرضوا لمحنة مشابهة منتصف السبعينات .