أخذت مقعدي بين آلاف المشجعين ، و كان الملعب يتلون بألوان الدنيا كلها ، مباراة وراء مباراة ويوما بعد يوم حملت فوق رأسي علم كبير لسوريا،

فانا لا اطيق ان احمل علماً سواه .. ورحت الوح فيه فوق رؤوس الجموع ، و أصيح .. سوريا .. سوريا ..

وعندما يعزف النشيد الوطني .. أي نشيد .. أي موسيقا .. انتصب ، مرفوع الهامة .. واردد حماة الديار.. بأعلى صوتي وملء حنجرتي واصفق لنفسي عندما ينتهي النشيد .. واخذ مكاني بين الحشود واراقب ..

اقف مع كل هجمة واصفق لكل هدف واتأوه لكل فرصة ضائعة .. واركض بين المدرجات حاملا العلم يرفرف في كل ارجاء الملعب .. فرح .. اقفز وانحني واضحك .. واغني وانشد تواشيح المشجعين في سوريا .. من "هاتو غيرو" .. الى "باي باي مع السلامة" .. وصولا الى "معليش شو صار" .. معليش شو صار

وكانت تمر معي اسماء فرق لم اسمع بها في حياتي ، توغو ، غانا ، صربيا الجبل الاسود ، وترنداد وتوباغو ..

وبالمناسبة ترنداد وتوباغو جزيرتان توحدتا حديثا ويبلغ عدد سكان كلا الجزيرتين 1.4 مليون نسمة ، يعني بعدد سكان الدويلعة في دمشق ..

معليش شو صار ..

لم يكن هناك أي اثر لاي شيء سوري سواي ، لا حكم ولا كرة ولا تي شيرت ، ولا حتى اعلان لشركة تجارية خدمية ، نقل .. تصوروا ان القدموس لم يفتح فرعا هناك ، وغابت اعلانات صناعتنا الرائدة في مجال العلكة .. وكانت دهشتي كبيرة لانه لم تطل علي اعلانات علكة مسواك ( نط .. نط ) .. وعلكة منطاد ( لا تمزح ) ، لا عم احكي جد .. ولا اوغاريت كولا (شو بتشرب .. آه ه ه .. ) .. حتى كلمة ( يا هلا ) افتقدتها هناك .. تصوروا ..

معليش شو صار ..

حتى المعلقين ، والمراسلين والصحفيين ، والرسميين والحرامية ولك حتى الـ 400 الف مومس اللواتي تكلمت عنهن الصحافة العالمية ، لا اثر لنا هناك .. مصور .. مطهر .. مخرج .. منتج .. مراسل .. سفير .. وزير .. معارض .. رئيس مكتب الطلبة في المانيا .. راقصة ، مغني .. كان اقرب شيء علي.. ظهور اليسا في اعلانات البيبسي كولا .. فرحت بداية ومن ثم غضضت النظر لاني تذكرت بانها محسوبة على تيار الحريري ..

في وسط حماسي .. وفرحتي .. باحد الاهداف التي لم اعد اذكر لصالح من كانت .. نظر الي احد المشجعين هناك و قال لي بانكليزية طليقة .. انت مع من بالتحديد .. اجبته بانكليزية مجعلكة ..

انا مع سوريا

قال : سوريا .. !؟ في أي مجموعة .. قلت : في مجموعة عدم الانحياز .. قال : اقصد رقم المجموعة .. ؟؟ الاولى الثانية .. ؟؟! قلت : كنا قبلا في مجموعة الدول الثالثة .. اما اليوم رح نصير عشرة على عشرة .. ما شاء الله قال : يعني مع غانا .. توغو .. قلت : لا يا زلمة شو جاب لجاب .. قال : مين في لاعبين مشهورين في فريقك قلت : اخر واحد اذكر اسمه كان وليد ابو السل لان اسمه متلازم مع وباء خطير لا يمكن نسيانه قال : يعني مع من يلعب فريقك .. قلت : مع سلطنة عمان ، وجيبوتي ، والسودان وربما منغوليا .. قال : هذه الفرق ليست في المونديال .. قلت : معك حق هذا كان في التصفيات .. قال : وماذا حدث .. قلت : بتعرف .. حظ سيء للعام الخمسين على التوالي ..

قال : اذا.. كيف وصلتم الى المونديال .. ؟ قلت : من سوريا.. الى هنا مباشرة بالطيارة .. 5 ساعات .. قال : اين سوريا قلت : في الشرق الاوسط .. قال : لم اعرفها بماذا تشتهر بلادك .. قلت : الخيل والليل .. عنترة ، الفرذدق ، ابن سينا ، ابن النفيس ، الزهراوي .. حمورابي ، سيف الدولة الحمداني والنوفرة .. قال : اعرف ابن سينا .. لكن هذا في العصر القديم .. اليوم بماذا تشتهرون.. قلت : باشياء كثيرة قال : مثلا .. قلت : بنعيم حمدي فقد فاز في بداية التسعينيات بجائزة في مسابقة الاغنية في كوريا الشمالية .. قال : من نعيم حمدي هذا .. قلت : هو صاحب مذهب استعراضي فريد .. قال : كيف قلت : يقف امام الضوء باتجاه الكاميرا ..وبحركة سريعة .. يتنحى (يخلي) للضوء من ورائه ليسطع مباشرة في عدسة الكاميرا ، مرة على اليمين ومرة على الشمال.. وبهذا يبهر المشاهد بضوء شديد متقطع .. وهو يقول : إيه..إيه..إيه قال : يبدو مهما ... قلت : ماذا .. لو حدثتك عن وجيه شويكي .. قال : لا اعرفه . . ماذا لديكم ايضا .. قلت : نحضر لدخول كتاب غنيس بقوة هذا العام .. قال : كيف قلت : اكبر قرص كبة لـ حمص ، واكبر جاط تبولة لـ حوران ، ولم تعد الكلمات المتقاطعة في الجرائد تكفينا .. واليوم نحضر بطلا سيدخل كتاب غتيس بعدما صنع بمساعدة الشعب السوري اكبر شبكة كلمات متقاطعة .. تعلم لدينا الكثير من الوقت لنحلها .. قال : فقط هذا .. قلت : لا عندنا اطول قانون طوارئ ، واخفض مرتب للموظفين ، واكبر عدد من المشاركين في برنامج تلفزيون الواقع " سورفايفر " ( الناجون ) .. ، وشو بدي عدلك لا عدلك .. قال : اذاً متى مباراتكم القادمة ومع من .. قلت : اي مباراة ؟ قال : قال هنا في المونديال .. قلت : نحن لا نشارك في مثل هذه المونديالات الهابطة ..

نظر الي نظرة فهمت انه يشكك في قواي العقلية .. وانصرف عني ..

عدت اشجع واقفز واصيح .. سوريا .. سوريا .. واصافح واضم وافرح وابكي واترقب وانتظر .. امر بالجموع المنكسرة فانكسر ، و تغمرني فرحة الفائزين فاسعد .. واتجول في المدرجات اسمع الكلمات والاحاديث واضرب كفاً بكف وأتقول .. واشارك في التوقعات واحسب النقاط اتمنى الفوز للجميع واتهيب من الخسارة ..

عرفت كل شيء عنهم ، بلدانهم ، اسمائهم واسماء صاحباتهم ، ارقام قمصانهم .. ، ونمرة احذيتهم ، اعمارهم ، الوان اعلامهم .. والبستهم الداخلية ..

تفرح الجموع وتلتهب .. يحتفلون .. يرقصون يحلمون .. ويرحلون ..

ابقى وحدي في كل ليلة .. اجلس في المدرجات الخالية في الظلام .. يشعّ نور الاضواء الكاشفة فجأة .. ويصدح نشيد بلدي .. حماة الديار .. انتصب .. واغني .. تمتلئ المدرجات .. ويعلو علم بلادي الرؤوس ويغطي الوجوه ويرفرف فوق الصواري .. ويتعالى الهتاف .. ويصول اصحاب القمصان البيضاء والحمراء الملعب .. يدافعون يهاجمون .. يلعبون بشجاعة .. ويسجلون .. هدف .. هدف .. هدف ..

اقفز مع كل الحاضرين ونغني النصر والفرح . .. وتصرخ الجموع بملء حناجرها .. " كوووووول " .. وتدمع العيون وتنتعش الابدان بعد ان سرت فيها بعد غياب طويل نشوة النصر ..

النصر .. ؟؟ النصر .. !!!

ها انا وحيد في المدرجات الفارغة .. اواجه الحقيقة ، التحف بالعلم عله يدفء جسدي البارد.. وانظر الى جدول المباريات .. افتقد بلدي الغائب .. وابكي بحرقة .. وانتحب ..

كل مونديال وانتم بخير ..