لم يقنعنا كثيراً الصحفي الكبير رياض نجيب الريس بتبرير توقيعه على «إعلان بيروت­ دمشق» في مقال نشر الأسبوع الماضي, بقوله إن هذا الإعلان لا يستحق كل هذا الضجيج, وبأنه لم يطلع على المسودة النهائية للإعلان. هذا لم يكن كافياً لفهم حقيقة موقفه كمثقف وصحفي محكوم بتاريخه المهني والوطني, حيال ما ذهب إليه الإعلان, وبالأخص فيما يتعلق بالتحاق المثقفين بركب السياسيين في تطويب الاعتراف بالحدود السياسية «الوهمية» كما درسناها على ايديهم, وهم يعلمون تماماً أن الأجيال التي ولدت بعد رسم هذه الحدود بعقود, ما كانت لتعرف أنها وهمية لولا نتاجهم الثقافي العروبي.

إلا أننا ورغم ذلك نضطر لقبول رأي الأستاذ رياض الريس بكل احترام وتقدير, ليس لأنه أستاذ في الوطنية والخروج عن بيت الطاعة, وعدم القبول بما آل إليه حالنا الراهن, وأن لا صحافة دون حرية... وحسب, بل لأننا بحاجة أيضاً الى أن يطرح رأيه بصراحة حول كيفية تصحيح العلاقات بين البلدين. وبرأيي الشخصي إذا كان ثمة فضيلة لا شك فيها لإعلان بيروت­ دمشق, فهي تحريض مثقفين يشعرون بأنهم سوريون بقدر ما هم لبنانيون, يُجسد رياض الريس تلك الحالة النموذجية, التي بوسعها أن تعبر أفضل تعبير عن علاقة تحقق الانسجام بينهما. هذه الحالة بالضبط, تدعونا لنطالبه بالخروج عن صمته, وقول كلمته بكل مسؤولية. لكن قبل ذلك لا بد لنا من بعض الملاحظات:

بداية, نشير إلى قوله: «لو كنت في موقع القرار, لطلبت نشره وتعميمه €إعلان بيروت ­ دمشق€ في الصحافة ووسائل الإعلام السوري كافة, ودعوت أكبر مجموعة من المثقفين غير السياسيين من البلدين, بمن فيهم الموقعون عليه, إلى مؤتمر أو ندوة لمناقشته بنداً بنداً في مسعى توافقي للخروج بالعلاقات اللبنانية ­ السورية من النفق المظلم».

في تعليقنا على اقتراحه, لا نتفق معه, لأنه أولاً, لو نشرت وسائل الإعلام السورية الإعلان, لما قرأه أحد ولكان الهجوم عليه من الموقعين أنفسهم قبل غيرهم, ولخرج منهم من يقول انه طُبخ في قدور المخابرات السورية, ولانشق المثقفون إلى أطراف عدة, كل واحد له رأي مناقض للآخر. ثانياً, من يضمن ألا تواجه دعوة أصحاب القرار المثقفين الى عقد ندوة أو مؤتمر بشكوك في أهداف السلطة من هذه الدعوة؟! احتمال وارد لا لشيء, وإنما لأن السلطة لا تعبر عن رأيها بهذه الطريقة. وإذا حدث وعبرت بهذا الأسلوب المنفتح, فمن سيصدقها؟! بعيداً عن لغة المزاح, لا بد من القول وبكل جدية, إن في مقالة رياض الريس دعوة وجهها للدكتورة نجاح العطار نائب رئيس الجمهورية العربية السورية للشؤون الثقافية: «التي خدمت الثقافة العربية في سوريا كوزيرة لا مثيل لها لمدة تزيد على ربع قرن, ودافعت عن حقوق المثقفين وعززت من مواقعهم». يسألها فيها تبني هذه الدعوة, على أن تمسك بآلياتها وتقوم بتنظيمها واعتبار بعض نقاطها بمثابة جدول أعمال لتلك الفكرة. ويؤكد «ان هذا الأمر لو تمَّ بنجاح, فسيكون أهم من أي تحرك يمكن أن يقوم به طرف سياسي لبناني أو سوري, وسيفتح الأبواب قطعاً أمام تطور غير مسبوق في تاريخ الكيانين اللبناني والسوري منذ زوال الانتداب الفرنسي وإلى اليوم».

بدعوته هذه يكون الريس, قد رمى الكرة في الملعب الصحيح, لما تتمتع به السيدة العطار من ثقة واحترام من قبل جميع الأطراف, لدورها المستمر في الدفاع عن المثقفين, وليس هناك قلق حول استجابة الدكتورة العطار لهذه المبادرة, ولا سيما أنها كانت أهلاً للثقة بكل ما فيه خير للبلدين, وكثيراً ما أظهرت تقديرها للنخبة المثقفة التي تمثل واجهتنا الحضارية, لكن القلق هو في تجاوب المثقفين مع هذه المبادرة, دون أن يختلفوا حول تفسير الغايات والأهداف, ومن دون أن يعتبروا طلب الإفراج عن المعتقلين المجمع عليه سيتم بفعل الضغط على السلطة, مع أنهم يعلمون أن لغة الاستفزاز لا تجدي مع السلطة ولا مع غيرها, وما تصرف مأمون الحمصي بهروبه الى لبنان وظهوره على الشاشات وهو يقرأ بيان يدعي فيه توصيل صوت المعتقلين إلى الخارج, سوى عمل غير محسوب سيدفع ثمنه هؤلاء الذين يزعم انه يدافع عنهم, وجاء في الوقت الذي بدأت إشارات عدة تظهر للإفراج عنهم.

ولعل الوقت الآن, مناسب أكثر مما مضى لفتح مساحات كي يتقدم العقلاء من المثقفين في البلدين للتحاور, بعد أن جاء تقرير براميرتس خالياً من السياسة, وهدأت أصوات قرقعة الطناجر والحناجر التي خرجت الى الشارع لتكفر بعلاقة الأخوة ووحدة المصير, وهي علاقة لا خيار للطرفين فيها, الجميع مجبرون عليها ومضطرون لها.

إنها فرصة سانحة, لنعرف في أي طريق نسير بعدما كُشف في لبنان عن شبكة تجسس خطرة في عقر داره, ترتكب الاغتيالات بقلب بارد لمصلحة إسرائيل, التي شاء البعض أن يشطبها من قائمة الأعداء!!