عرفت من تجربة حرب لبنان، أن كلام الأوادم لا معنى له ولا فائدة منه. أصوات تدعو كل يوم إلى التعقل والتبصر والهدوء، وأوامر تصدر كل يوم من أقبية الظلام بالقتل والقنص وتدمير ما تراه العين وإطلاق المدافع على طوابير الناس الواقفة أمام الأفران لشراء الخبز. وكان هذا كله يعني أن هناك مؤامرة يجب أن تتم وجريمة جماعية يجب أن تكتمل. ولم أجلس انتظر نهاية الحرب. فقد أدركت أن هناك من البلهاء والمجرمين والسفاحين ما يكفي للاستمرار حتى هجرة آخر آدمي في البلد. وكنت أدرك أن زعماء القتل ليسوا سوى أدوات تحرك من العتم، ولا يجرأون على رفض أمر، أو يكبرون عند رشوة أو إغراء.

وعندما بدأت مذابح العراق عرفت أيضاً أن المسألة طويلة. فهناك عنصران متوازيان: المؤامرة، بجميع فروعها وأصولها، والبلهاء والسفاكون، بجميع أنواعهم ودرجاتهم، من حزازي رؤوس الرهائن إلى قاطعي رؤوس المواطنين إلى مفجري الأطفال. وبالنسبة إليّ المتآمر والمنفذ واحد. والمجرم المحلي أكثر ضعة من المتآمر الخارجي مرتين: الأولى لأنه يخون مواطنه وأرضه وقيمه، والثانية لأنه سفاك مجاني مثل النمر الأسطوري أو الوهمي في جزيرة تسمانيا: كلما لعق من دم أبنائه استطاب.

وأمامنا الآن مثل ثالث في فلسطين. «المناضلون» يتقاتلون كأنهم في صندوق فرجة ومن حولهم إسرائيل. وقد يفيق شارون من غيبوبته إذا سمع الخبر. فكل أحلام إسرائيل في كفة وحلمها بأن يتكفل الفلسطينيون ذبح أنفسهم في كفة أخرى. ولا يعود مهماً هنا على الإطلاق من هو العميل ومن هو الأبله ومن هو المجرم. فالمهم أن الصورة الخارجة من غزة لم تعد صورة رجل عجوز تقتحم الدبابات الإسرائيلية مقر سكنه وغرفة طعامه، بل صورة عسكر يتقاتلون في ما بينهم ويحرقون فروع البنوك طلباً للرواتب في سلطة كانت قضيتها فلسطين فأصبحت حلول آخر الشهر.

انقسام في الأعلى وانقسام حقيقي ومفزع بين من هم دون ذلك. وللانقسام بشاعة العنف والفظاظة وما هو أسوأ: الكره! كأنما ما بين فتح وحماس هو ما بينهما وبين الكيبوتزات والمستعمرات. وهذا عار جماعي وبلا استثناءات. ولا تفتشوا لنا عن تبريرات وكلام معلوك. هذا عيب.