صورة العراق اليوم ليست استثناءا سياسيا رغم واقع الاحتلال، فهي تقدم مؤشرات على الأقل على طبيعة التفكير الاستراتيجي داخل عالم لم يعد متقلبا كما كنا نتخيله، لكنه يحاول التأقلم مع حالة دولية من الصعب تجاوزها بشكل سريع، فما يحدث لم يقدم عالم القطب الواحد، بل جسد محاولات لمواجهة الطاقة الأمريكية بعد "تفردها" في رسم استراتيجيتها ... وما حدث في العراق ربما يشكل صورة علينا التعامل معها بقراءة جديدة، بدلا من التعامل مع صور التطرف فقط، لأن التطرف نتيجة لا يمكن تصفيتها فقط بقتل الزرقاوي، بل بالبحث عن الثقافة الأكثر تأثيرا في مستقبلنا. والتردد الواضح اليوم في رسم المشهد السياسي العراقي يبدو مستندا إلى عوامل لم تتبلور بعد في العقلية السياسية بشكل خاص، وفي العقل الثقافي عموما. لأننا منذ ظهور الدولة الإقليمية نواجه لأول مرة تفاصيل مكوناتنا الاجتماعية بدلا من التعامل مع العناوين العريضة التي واجهتنا في مراحل ما بعد الاستقلال. ويبدو أن التنوع الاجتماعي هو الأكثر إلحاحا في هذا المشهد بسبب بروزه اليوم كمؤثر واضح على الجغرافية – السياسية عموما وآليات تشكيلها بعد احتلال العراق.

ومع عدم تغييب هذا التنوع عن الجغرافية – السياسية سابقا، لكنه اليوم يظهر كنقطة ارتكاز لمسائل "التعددية" و "الديمقراطية" و "حقوق الإنسان"، وذلك استنادا إلى النموذج العراقي الذي انتخب أول رئيس كردي للعراق، إضافة للمشروع العام الذي يسعى إلى جعل العراق فدرالية.

بالطبع فإن تعميم النموذج العراقي يحتاج حتى في رأي مصمميه إلى التريث، على الأخص أنه خلف واقعا جديدا من الفرز السريع على المستوى السكاني، ولأن الوضعية النهائية للعراق لم تتضح بعد. ورغم رهان الإدارة الأمريكية على هذا النموذج لكنه لا يحتاج فقط إلى الوقت بل أيضا إلى المصداقية في قدرته على "خلق" العراق بعد أن تم تدميره استنادا إلى نفس النموذج.

ويبدو من المهم أيضا أن نفهم مسألة التعددية بعد ظهور "النموذج العراقي" .. فالتعددية عندما تكون ثقافة تخرج عن إطار "المحاصصة" كما ظهرت في العراق، فإنها لا تقدم فقط "وحدة المجتمع" بل أيضا خروجا عن المأزق الأساسي الذي ظهرت فيه "الدولة الإقليمة" معتمدة على "أقلية وأكثرية". وعندما نؤمن بهذه التعددية يغيب اللون الذي يخلق افتراقا أو امتيازا لفئة دون اخرى، ويصبح التمايز جامعا وليس لونا للتقسيم والافتراق. التنوع بعد احتلال العراق اثبت أننا ثقافيا أهملنا ميزة التعددية في جغرافيتنا، واليوم ندفن هذه الميزة تحت اكوام من الإجراءات السياسية وأشكال المحاصصة .. أو حتى التغييب الثقافي وقطع التفاعل عبر قسر الجغرافية لهذا الشرق القديم إلى مناطق لم تعرف عبر العصور سوى التداخل الحضاري.

المسألة اليوم تبدو في أن النموذج العراقي "ليس للتعميم" ... بل للتفكير بأن وحدتنا الاجتماعية نموذج لا يعيش بالافتراق ... أو بحاكمية تخاطب "شرائح" أو حتى برسم أغلبية وأقلية كما يحدث في العراق، بل هي أيضا بفهم شبكة المصالح التي تربط المجتمع، لأن هذه الشبكة محكومة بالتنوع الثقافي... ومحكومة بوحدة اجتماعية علينا قراءتها وفق خارطة المواطنة بمعناها الحداثي أولا وأخيرا.