نصر شمالي

مرة أخرى وأخرى، أعلن الرئيس الأميركي قبل أيام أن لا هوادة في الحرب ضدّ الإرهاب ممثلاً بالإسلام السياسي، غير أن هذه الحرب التي تخاض بلا هوادة، والتي بلغت ذروتها اليوم بالاحتلال العسكري المباشر لبلدان الأمم الأخرى، ليست بالشعار الجديد إلا لمن يجهل أو يتجاهل تاريخ الأنكلوأميركان على مدى القرون الأربعة الماضية، فلم تكن ثمة هوادة في إبادة سكان أميركا الأصليين لأنهم متوحشون! ولا في محاربة فرنسا الثورية/ النابليونية، ولا في قمع توجهات محمد علي المصري الإصلاحية النهضوية، ولا في إرغام الأفارقة على الحياة العبودية، الأقل من حيوانية بكثير، تحت طائلة تقطيع الأطراف والقتل، ثم كانت الحرب التي لا هوادة فيها ضدّ الإرهاب السوفييتي، والألماني، والإيطالي، والياباني، وأخيراً الفلسطيني والعربي والإسلامي! وقد كتبت المراسلة الصحفية الأميركية كلير ستيرلنغ (باري ماتش/ اكتوبر/ 1980) تقول أن منظمة التحرير الفلسطينية تتضمن جميع الشروط التي تجعلها مركزاً للتحالف بين المنظمات الفاشية الأوروبية الجديدة التي تبشّر باللاسامية، والتي تسعى إلى هدم النظام الديمقراطي الغربي عبر النضال ضدّ الامبريالية/ الصهيونية متمثلة (بدولة إسرائيل) وأن هناك صلة بين الفصائل الحمراء والفصائل السوداء، حيث جميعهم يعملون لأهداف مشتركة: الحمر يريدون إسقاط الديمقراطية، والسود يريدون إقامة أنظمة شبه عسكرية، ولولا منظمة التحرير الفلسطينية لما تسنّى للإرهاب الوصول إلى أبعاده الحالية (عام 1980) أما الاتحاد السوفييتي فهو يدعم الجميع! هذا ما قالته بالضبط المراسلة الصحفية الأميركية في ذلك التاريخ الذي يفصلنا عنه ربع قرن من الزمان!

قانون أرسطو والتعاليم التلمودية! غير أن ما ينبغي التذكير به، حيث غرق الكثيرون في أهوال اللحظة التاريخية الراهنة، أن العقيدة الاستعمارية الأنكلوأميركية قامت منذ نهوضها على قواعد فكرية ثابتة، فالكثير من المفكرين الأميركيين والأوروبيين يردّدون في مؤلفاتهم أن واشنطن هي الوريث الشرعي والاستمرار الطبيعي لروما القديمة، وأن أوروبا الغربية هي الوريث الشرعي والاستمرار الطبيعي لليونان القديمة، والجميع يتفقون على التقيد بالقانون الذي وضعه أرسطو في كتابه (السياسة) القائل بالحرف:" كل من ليس لديه ما يقدّمه لنا خير من استعمال جسمه وأعضائه مدان بواسطة الطبيعة للعبودية، وخير له أن يخدمنا من أن يترك لنفسه"! هذا ما قاله أرسطو، ولا أدري إن كان ضرورياً التذكير بأن أثينا القديمة كانت ديمقراطية عبودية: الديمقراطية للنخبة من الملاكين الأثرياء النبلاء الذين يمثلون سدس المجتمع، والعبودية الكاملة للأسداس الخمسة الأخرى!

إن جرائم الإسرائيليين والأميركيين الفظيعة بحق الأبرياء من أبناء الشعب في فلسطين والعراق، التي ترتكب بدم بارد، ليست مجرّد أخطاء كما زعمت كوندا ليزا رايس، ولا يمكن أن تفهم بمعزل عن قانون أرسطو ممتزجاً بالتعاليم التلمودية. إن جنودهم يقتلون الأطفال والنساء عن عقيدة. ولكن ما حيلتنا إذا كانت أوساط متنفذة في بلادنا تقول وتبشّر بعكس ذلك، وترفض التمييز بين الإنجازات المادية والعلمية الإيجابية وبين العقيدة التي تعمل طوال الوقت على إبقائها حكراً لبلدان محدّدة، وحرمان الأمم والبلدان الأخرى من التمتع بها تحت طائلة الحرب والإبادة؟ الفصائل الحمراء والفصائل السوداء!

لقد دخل الغرب الأنكلوأميركي منذ ستينات القرن الماضي مرحلة الأزمة العميقة التي تنخر في أسس هيكلية نظامه، وقد تحولت هذه الأزمة إلى أزمة كونية خانقة، وهو بدلاً من أن يعترف بأسبابها، وباستعصائها على أي حل غير منطقي، راح يوغل أكثر فأكثر في عزوها إلى أسباب غير حقيقية، بل هي نتائج وليست أسباباً، فيتحدث عن اللاسامية والنازية الجديدة، وعن الفصائل الحمراء والسوداء، وعن الإرهاب السوفييتي، ثم الفلسطيني، فالعربي والإسلامي..الخ! وكمظهر حاد من مظاهر أزمة النظام الاحتكاري العالمي شهدت بلدان أوروبا الغربية، منذ منتصف الستينات وعلى مدى عشر سنوات تقريباً، أعمالاً متنوعة من العنف الذي مارسته فصائل اليسار الجديد المتعدّدة، من أمثال منظمة بادرماينهوف (وكذلك الجيش الأحمر الياباني) وقد انحسرت تلك الموجة اليسارية في أواخر السبعينات بعد أن تمّ القضاء عليها، غير أن ذلك لم يحقق الاستقرار النسبي الذي زعموا أن تحقيقه مرهون بالقضاء على تلك الفصائل، وسرعان ما ظهرت في العام الأول من الثمانينات موجة أخرى من أعمال العنف، تولتها هذه المرة الفصائل الأوروبية اليمينية السوداء، معلنة عن بعدها الأممي وعن تصميمها على التصدّي لمهمة إعادة ترتيب الوضع الدولي برمته، وقد اقترن ظهور هذه الأممية اليمينية العنصرية ببداية المرحلة الريغانية/ التاتشرية، وبداية تكوّن اليمين الأميركي الصهيوني الجديد، الذي سوف يشتدّ عوده، ويرتفع صوته، ويأخذ دوره الأممي، ويجد من يردّد صداه في جميع بلدان العالم، وفي بلادنا، إنما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وكتلته الاشتراكية! العودة إلى حكم الارستقراطية!

إن النظرية العامة التي روّجت لها تلك الفصائل السوداء، بالتناغم مع الخطاب الرسمي للعهد الريغاني/ التاتشري، هي أن فكرة المساواة بين البشر ليست سوى محض خرافة، فالوراثة هي العامل الأهم في تكوين الإنسان، وتكافؤ الفرص بين الأفراد والشعوب هو بدوره محض خرافة، وأنه لابد من العودة إلى الارستقراطية وإلى حكم النخبة في الغرب، أما العرب والأفارقة – حسب طروحاتهم المدونة- فهم أجناس دنيا لا يمكن لها أن تصل إلى العلم، ولا تستطيع تحقيق الحضارة الرفيعة! إن المصير التاريخي للمجتمعات الإنسانية يقوم على النخبة وليس على الجماهير! وقد أجمل لويس باولز، رئيس تحرير صحيفة لو فيغارو ماغازين الفرنسية، كل ذلك بقوله:" يجب أن ننظر في الوقت نفسه إلى ما قبل عام 1789، وإلى ما بعد عام 2000"! أي العودة إلى مفاهيم ما قبل الثورة الفرنسية، إلى النظم الارستقراطية، التي سوف تكون قابلة للتطبيق بعد عام 2000، بصعود أمثال بول وولفويتز وشارل بيرل إلى قمة السلطة الأميركية بعد انتقالهما من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وبهمة بعض أبنائنا، الذين يرددن اليوم طروحاتهما، والذين حققوا بدورهم تحوّلاً تراجيدياً من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين!