معاريف

يونتان غيفن

تنفست قواتنا الصعداء: لسنا نحن من قتل عائلة "غالية" على شاطىء غزة الدامي. هم من فعل ذلك. هم: القتلة، السفلة، الجزارون. هم الذين قتلوا العائلة التي تنزهت على شاطىء البحر. والمعروف بشكل عام أننا لا نقتل، بل "نحبط" فقط. عندما يقتلوننا يكون ذلك مجزرة. وعندما نقتلهم يكون ذلك "احباطا مُركزا". كل ما يفعلونه هو ارهاب بغيض. وكل ما نفعله نحن هو دفاع عن النفس لجيش مُحق اخلاقي. هم الذين تركوا البنت المسكينة على الشاطئ، ونحن أخذناها بشفقة. نحن صورنا فقط الطفلة مع جثث العائلة وتزور أمها في المستشفى، ومع أننا شعرنا بالحزن، لكننا لسنا مذنبين: لسنا نحن بل هم. يمكن العودة الى الأريكة ومواصلة تناول المكسرات ومشاهدة مباريات كأس العالم. ويمكن الاستمرار في قتل مواطنين، لانهم مرة اخرى هم السيئون، الذين يتجولون طوال الوقت بين مواطنين أبرياء في غزة. من لا يرغب في أن نقتله عليه أن يكف عن التجول في المدينة حينما يرى طائرات للجيش الاخلاقي تلاحق سيارة "فولكسفاغن" صفراء. كانت المعلومات الاستخبارية دقيقة، أحبطنا ثلاثة من نشطاء الجهاد كانوا يستقلون سيارة مع صاروخ "غراد" في الصندوق الخلفي. وعندما تجمع مواطنون فضوليون وقلقون حول السيارة المسحوقة حصلت مفاجأة: أُطلق صاروخ آخر، وأحبط ثمانية أفراد أبرياء ليسوا نشطاء في أي جهاد. أحبطنا ياسين ومحمد، وهما سائقا سيارة اسعاف، جاءا ليساعدا جرحى الانفجار الاول، وأحبطنا ايضا أشرف وابنيه الصغيرين: ماهر ابن الخامسة، وهاشم ابن السابعة. في الفرصة نفسها أُحبط ايضا ابن عم الطفلين، احمد وهو في السابعة ايضا. يتبين أنه في الاحباط المُركز، يمكن أن تكون النقاط كبيرة جدا، وتنتشر في جميع الاتجاهات. تعليقا على الحادث قال رئيس شعبة العمليات لقواتنا، "إنهم في الطائرة لم يلاحظوا أن السيارة محاطة بالمواطنين". وكما أبلغ أحد المسؤولين الكبار في الاستخبارات، فإن "صاروخ غراد الخطر" بقي كما يبدو ونقله بعضهم من السيارة المحترقة الى صندوق خلفي لسيارة "فولكسفاغن" اخرى، وربما تكون قواتنا في طريقها الى الاحباط المُركز جدا التالي. لم نقتل عائلة الطفلة المسكينة على شاطىء البحر، لكننا أحبطنا بالتأكيد ثمانية مواطنين أبرياء، يُسرعون كما هي عادة المواطنين الى إحاطة السيارة المصابة والتجمع حولها ليروا ما إذا كان ممكنا انقاذ أرواح، أو لمجرد معرفة من الذي قُتل هذه المرة. هذا فعلناه نحن، لا هم. نحن قتلنا مواطنين بغير سبب. الآن، هل يُعد قتل ثمانية مواطنين أكثرهم أولاد أو فتيان مجزرة؟ واذا لم يكن الأمر كذلك، فكم من المواطنين يجب علينا أن نحبط ليصل الأمر الى مرتبة المجزرة؟. كم من المواطنين المجتمعين والاولاد الضالين قتلنا حتى الآن؟. وكم سنقتل بعدُ الى أن ندرك أن "الاحباط المُركز" يقتل ايضا اولادا يبدون من الأعلى مثل نقاط صغيرة غير ذات صلة؟. الجيش الأكثر اخلاقية في العالم الذي لا يقتل، بل يحبط فقط، آخذ في فقدانه القدرة على قتل الارهابيين فقط، ولن أتعجب اذا قُتل مع كل "احباط مُركز" واحد ما لا يقل عن عشرة أشخاص متجمعين لم يفعلوا شيئا لأحد، بل تواجدوا هناك فقط. الجيش الأكثر اخلاقية في العالم، كما نحب أن نسمي قواتنا، ماضٍ في آثار الجيش الامريكي الضائع في العراق. مواطنو العراق الذين ماتوا في الحرب غير ذي صلة ببوش أو بطوني بلير. فبحسب تقارير موثوق بها للامم المتحدة ولمنظمات انسانية دولية: قُتل 100 ألف مواطن عراقي في القصف الاميركي فقط قبل غزو بغداد. هؤلاء القتلى لا يهمون أحدا. موتهم غير موجود. لا يعلم أحد كم من المواطنين العراقيين قُتلوا منذ بدء هذه الحرب الغبية الفتاكة، لانه هل يهم هذا أحدا في الغرب المتنور؟ "نحن لا نعد جثثا"، قال الجنرال طومي فرانك، قائد القوات الامريكية التي جاءت لتحرير الشعب العراقي والإنعام عليه. هل يوجد أحد هناك في الأعلى، فوق الانفجارات، والصواريخ وموت الأبرياء، يستطيع أن يحسم الاحباط المركز من بعيد ومن الأعلى الذي أصبح يبدو بالتأكيد مثل مجزرة صغيرة؟. هؤلاء ليسوا هم. بل نحن. وإن ما يتعرض هنا للإحباط المركز هو اخلاقنا وانسانيتنا. نحن. لا هم. اذا لم يكن ممكنا حقا رؤية مواطنين مجتمعين من الطائرة، فكيف يمكن ألا يُحبطوا؟. اجل، يبدو أن للطائرات دم على الأجنحة احيانا ايضا.