قبل ما يزيد عن سنة ونصف أتاني شخص يسألني المساعدة للعمل علي تغيير الحكم في سورية عن طريق التدخل العسكري الأمريكي. فسألته: هل هذا هو ما يريده المغتربون السوريون في شمال أمريكا؟ أجابني بأنه يمثل هذه الجالية بدعوي رئاسته لجمعية مؤلفة من ثلاثة أشخاص وقد استقبلته أحدي الفضائيات عدة مرات. رفضت قبول هذه الدعوة ورفضت أن اعتبره ممثلا بشكل من الأشكال للجالية السورية في شمال أمريكا. فمنذ بُعيد هجمات 11 ايلول (سبتمبر) وأنا أحاول أن أقنع فعاليات من الجالية بضرورة تشكيل هيكل تنظيمي يدافع عن مواقف الجالية ويكون صوتا لمصالحها. وكان السؤال الذي أسعي للاجابة عليه هو ما الذي تريده الجالية؟ وقد كان لنا ما نريد عندما أسسنا الكونغرس السوري الأمريكي كمؤسسة لا تسعي لفرض مواقف علي الجالية السورية في شمال أمريكا، بل تسعي لقراءة ارادات هذه الجالية وتمثيلها.

واليوم بعد ما يزيد علي سنة علي الاجتماع الأول للكونغرس السوري الأمريكي وبعد النجاح الشعبي الذي حققه المؤتمر السنوي الأول الذي عقد يوم العشرين من أيار (مايو) 2006، يبقي السؤال مطروحا بالحاح كبير ما الذي تريده الجالية من سورية؟ . وهذا السؤال يحمل الكثير من الأهمية في ضوء محاولات التفريق بين الداخل والخارج المتكررة واتهام المعارضين السوريين بالاستقواء بالخارج. فانني أريد أن أضع أولا مبدأين يُجمع عليهما أفراد الجالية السورية في أمريكا ولم أجد رأيا واحدا يخالفهما. الأول يري بأن الوضع الراهن للتركيبة السياسية السورية وطريقة الحكم غير مقبولين وغير قابلين للاستمرار. أما المبدأ الثاني فيقول بأنه لا يمكن أن يقبل أي احتلال عسكري أمريكي لسورية كحل للمسألة الديمقراطية في سورية.

تقدر الجالية السورية في شمال أمريكا بما يزيد عن أربعمئة ألف نسمة حسب معهد جيمس زغبي المشهور، ويعتبر أبناء الجالية من فئات المجتمع الأمريكي الأكثر ثراء والأكثر تحصيلا علميا، فيتجاوز معدل دخل الفرد السوري في أمريكا المعدل العام للأمريكيين بما ينيف عن 15% وقد ذكر أن نسبة حاملي الدكتوراه من أبناء الجالية تصل الي 31 بالألف علي حين تصل هذه النسبة الي 9 بالألف بالنسبة للأمريكيين غير السوريين. والرأي السائد بأن هناك ما يزيد عن خمسة آلاف طبيب سوري في الولايات المتحدة وحدها، وأصحاب الطرافة يتفكهون بأنه في كل قرية أمريكية هناك مكدونالد ومكتب بريد وطبيب سوري.

أما سياسيا فتوزيع الجالية لا يختلف عن توزيع الشعب السوري في أي مكان من العالم. فهناك فئتان واضحتان، الأولي غير مسيسة لا يهمها من تركيبة الحكم سوي بعض المصالح الاقتصادية وأحيانا الوجاهية. فتقوم باستقبال سفير هنا أو وزير هناك لاشباع الناحية الوجاهية في صفوف الجالية؛ أو تأمين بعض المشاريع الاقتصادية مثل مشفي هنا أو مشروع سكني هناك. ومقابل الفارق الكبير بين امكانات الحكومة وموظفيها ماليا وقدرات أفراد هذه الفئة تبدو نشاطات هذه الفئة كبيرة بعيني المسؤولين السوريين، ولكن في الحقيقة تعدادها قليل وامتداداتها الشعبية مبتورة بسبب طبيعة هذه النشاطات الطبقية، والانفصام بين أفرادها والجالية بشكل عام تعكسه اجتماعات هذه الفئة والتي كثيرا ما يترددها طبقة مهنية أو اقتصادية واحدة. وينضم تحت لواء هذه الفئة بعض الأشخاص الذين يدعون بعلاقاتهم المباشرة مع القصر الجمهوري أو لهم معرفة شخصية بفلان من المسؤولين أو غيره من القيادة السورية.

الفئة الثانية وهي الفئة الأكثر ملاحظة ويجمعها جميعا رأي واحد سائد بأن النظام في سورية نظام غير قابل للاستمرار. ورغم عموم هذه القناعة فان هذ الفئة تتوزع في مواقفها سياسيا علي عدة مجموعات بحسب درجة نشاطها السياسي. ويمكن تقسيم هذا النشاط الي مجموعتين. المجموعة الأولي تشمل كل الناشطين سياسيا، فهي مجموعة المعارضين علنا للنظام في سورية. وهي مجموعة ناشطة سياسيا وان اختلفت درجة نشاطها من فرد لآخر، وقد زادت نشاطات هذه المجموعة بعد بوادر الانفتاح الذي وعد به الدكتور بشار. وقد اعتقد الكثير من أبناء الجالية أنه بامكانها أن تساهم بدعم تيارات الاصلاح من داخل النظام. وكان الأمل كبيرا من أبناء الجالية بأن يتمكن الدكتور الأسد والفريق الاصلاحي في السلطة من ادارة دفة التحول الديمقراطي خلال السنوات الخمس الماضيات. ولكن احباط هذه الفئة كان كبيرا عندما اكتشفت أن دعوة الاصلاح لا أساس لها وأنها كانت لاكتساب الوقت. وقد دفعت تصرفات السلطة السورية من قضية التحقيق في مقتل الرئيس رفيق الحريري هذا الاحباط لأقصاه، فعوضا عن أن تتبني السلطة التحقيق وتكون الأولي لحل ألغازه، وعوضا عن أن تضع خطوات حقيقية لتصحيح الأخطاء التي ارتكبت في لبنان والتي تكلم عنها الدكتور الأسد في خطابه الذي يفسر انسحاب القوات السورية من لبنان، تري هذه الفئة من الجالية أن السلطات السورية تصرفت علي الصعيد الدولي كالمتهم، واتبعت سياسات فوضوية تهدف الي خلط الأوراق وعدم التمييز بين قتلة الحريري والشعب السوري، ورأت أن سياسة الدولة هي تحميل كل الشعب السوري تبعات نتائج التحقيق عوضا عن حصرها بمن يثبت عليه الجرم. كما تري هذه المجموعة أن السياسة السورية تحاول تكريس الخلط في العلاقات بين الزعامات السياسية للبلدين والعلاقات التاريخية بين الشعبين السوري واللبناني، وقد أتت أنباء الاعتقالات منذ مطلع العام والتي تكثفت بشكل ملحوظ خلال الشهر المنصرم لتضع المسمار الأخير بنعش فكرة صلاحية السلطة السورية للاصلاح لدي الجالية السورية في شمال أمريكا بشكل خاص ولدي السوريين جميعا بشكل عام.

ومن جهة أخري رغم عداء هذه الفئة للحكم في سورية، بامكاننا أن نري أن هذه المعارضة الخارجية مارست حسا وطنيا جيدا، واستطاعت أن تحقق أنجازا لم تتمكن لا وزارة الخارجية السورية ولا السفارة في واشنطن من تحقيقه وهو رفع مشروع احتلال سورية عن الطاولة، رغم قناعتي أن المقاومة العراقية الباسلة هي السبب الرئيس الذي منع الدبابات الأمريكية من السير نحو دمشق. ولكن علينا أن لا ننسي الدور السياسي الذي لعبه المعارضون من الجالية في واشنطن. فبعد أن سيطر الشخص المطبل للمشروع العسكري الأمريكي علي الأضواء في واشنطن، مستفردا بالساحة في غياب صوت الجالية السورية، تدخلت قيادات من المعارضة السورية، واضطر بعدها للدخول معها في تحالفات حزبية واستطاعت أن تعزل الصوت الذي ينادي باحتلال سورية، وقد استشاط ريتشارد بيرل ـ مهندس احتلال العراق ـ غضبا عندما أدرك أن خطته لاعادة سيناريو العراق لم توفق، فاتهم المعارضة السورية بالضعف وانها غير ديمقراطية. واضطر شريكه السوري للانسحاب من هذه المعارضة. والجالية السورية في شمال أمريكا لاحظت التغير الكبير في الخطاب السياسي للمعارضين في أمريكا حتي في أوروبا، وتعتبر أن هذا الاقصاء للمنادين بالعمل العسكري ضد القطر في سبيل تحول ديمقراطي عمل ينسجم مع وجهات نظر الجالية، كما أنها تقدر جهود المعارضين الذين ساهموا في تحجيم المشروع العسكري الأمريكي. أما المجموعة الثانية فهي مجموعة غير ناشطة سياسيا وهي تشمل عامة الناس وأغلبهم من المترددين علي القطر خلال اجازاتهم الصيفية. يتمنون الخير للبلد ويأملون أن يساهموا بتطوره وتقدمه. ونري أن نشاط هذه المجموعة يتطور كلما استشعرت من الحكم انفتاحا، فكان هناك استبشار وحركة نحو تجميع الجهود والمساهمة في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في القطر منذ وصول الدكتور الأسد للقصر الجمهوري. ولكن هذا الاستبشار تحول الي خيبة أمل كبيرة واحباط لدي هذه الفئة بعد نتائج المؤتمر القطري في حزيران (يونيو) 2005.

وقد عادت هذه الفئة الي قوقعتها من جديد وتقليص اهتماماتها بالقطر مع الموقف المتصلب الذي تتخذه القيادة السورية الذي يزداد وضوحا يوما بعد يوم. وخلافا لما قد يعتقده البعض فان هذه المجموعة هي الاكثر قربا للتحول الي قبول تدخل أمريكي لتغيير النظام من المجموعات الأخري، فكلما زادت قسوة النظام وقل الأمل عند هذه الفئة كلما زادت قناعتها ـ غير المعلنة ـ بتسليم عملية التغيير للسياسة الأمريكية. وكلما زاد تعنت القيادة السورية أمام الانفتاح الديمقراطي كلما زاد قبول هذه المجموعة من أن تقوم أمريكا بإنهاء الوضع في سورية. من هنا تبدو أهمية الكونغرس السوري الأمريكي في التعامل مع هذه الفئة من الجالية والتي تعتبر أكبر عدديا من غيرها.

فالكونغرس السوري الامريكي يوفر لهذه المجموعة مجال الفعل والحركة التي تبقي علي الأمل بالتغيير السلمي والهادئ ممكنا. ولكن هذا لن يصبح ممكنا ما دامت الحكومة في سورية عاجزة عن رؤية التغيير. وقد كان لغياب كل من السفير في واشنطن ووزيرة المغتربين عن المؤتمر الأول أثر سلبي عند هذه المجموعة، اذ أن هذا الغياب أكد لهذه المجموعة من أبناء الجالية أن الحوار ما زال بعيدا عن ذهنية السلطة، وأنها ما زالت تبحث عن تابعين لا عن شركاء.

وفي صفوف الكونغرس السوري ـ الأمريكي تقف فكرة الحوار علي شفا حفرة، فالكثيرون يتمنون أن يكون هناك حل سحري يخرج سورية من ورطتها الداخلية والخارجية بأقل كلفة ممكنة، وقد كنت أردد في لقاءاتي بأنه ان تمكن الدكتور الأسد من أجراء اصلاحات ديمقراطية حقيقية واجراء انتخابات حرة ونزيهة فانه سينجح بهذه الانتخابات، قد لا يكون بـ 99% المعتادة بل بـ 55% والفرق بينهما كبير جدا. الأولي تعلن أنه الصفحة الأخيرة في كتاب طويل، أما الثانية فهي بداية صفحة جديدة في تاريخ سورية القادم. وطالما وجدت هذه الفكرة قبولا كبيرا بين أفراد الجالية السورية. ولكن الوقت يمضي سراعا عكس ما نتمناه ففي كل يوم تزداد الصعوبات في اقناع أعضاء الجالية بجدوي التعامل مع الحكومة في سورية. ان الغالبية من أبناء الجالية السورية ينظرون للوضع في داخل سورية كمن يحاول أن يملأ السلة ماء. وهذه القناعات تزداد رسوخا مع كل خبر سيئ يصدر عن الوطن. كما أننا مقتنعون جميعا بأننا لا يمكننا أن نصدر حلولا للداخل السوري، ولكن بامكان الجالية السورية بما تملك من امكانات علمية واقتصـــادية أن تقدم للوطن المساعدة في تحقيق الحلول التي يتبناها القطر. فطاقات سورية بلدا وشعبا كبيرة داخل سورية وخارجها، والمشكلة المستعصية التي علينا مواجهتها هي سوء توظيف هذه الطاقات للصالح العام. فبذلك تنظر الجالية السورية في شمال أمريكا للاصلاح السياسي كبوابة رئيسة لأي اصلاح آخر. فالجــــالية السورية تنظر بعين القلق لغياب أي مبادرة بــــناءة حقيقية من قبل القيادة السياسية. وتعــــتبر أن المبادرة الوحيدة الممكــــنة هي مبــادرة الحرية والديمقراطية. وتعــــتبر أن كل يوم تأخير يزيد من تكاليف الوفاق الوطني علي سورية وعلي الفئة الحاكمة.

ومن هنا يأتي دور الكونغرس السوري الأمريكي وان كان الدور الذي يلعبه اليوم هو تفعيل الحوار الوطني بغية تحقيق تحول ديمقراطي سليم وسلمي. ولكن الدور الحقيقي الذي يطمح له ـ في حالة الوفاق الوطني ـ هو تسخير طاقات الجالية في مغتربها لخدمة وطنها الأم. والي أن يتم هذا الوفاق الوطني لا بد للسلطة في سورية من أن تملك تصورا وخطة للوصول اليه ورغبة حقيقية في استقطاب هذه الطاقات من أجل الصالح العام لا من أجل مصالح فئة معينة دون أخري.