عذراً من الجميع ، مواطنين وأصدقاء وأحباء ومتابعين أو منتظرين لكل جديد من قرارات تثبت للجميع اهتمام المسؤولين بالمصلحة العامة ومصلحة المواطن ... وعذراً كذلك من مواطنينا في موقع المسؤولية الإدارية والتخطيطية ، الذين يحاولون جاهدين – قدر إمكاناتهم – التخطيط والتنفيذ لكل ما يصب في مصلحة المواطنين ... عذراً لعجالتي وتسرعي فيما أورته سابقاً ضمن مقالي " قرارات وعدادات في حماه " إذ سقط منه سـهواً ، القرار القاضي بإنشاء وتنفيذ محلجة للأقطان في منطقة مصياف .

وبالواقع ، إنه قرار من القرارات التاريخية التي يتوجب تسجيلها لا بالعدادات فقط ، بل في سجلات "غينيس " العالمية لفرط فرادتها في تطبيقها العملي لضرورة التخطيط المستقبلي المديد ... والسياسة الاقتصادية الرشيدة ... وضرورات التنمية المستدامة والتنمية في الموارد البشرية ... والحد من الهدر ... والحد من البطالة ... وخلق فرص عمل جديدة كل منها تكلفنا مبلغ يقارب المليون ليرة سورية ... ثم تحقيق المصلحة العامة ... والنظر إلى مصلحة المواطنين والعمل الجاد على تطبيقها ... كما هي التعابير التي يتحفنا بها مسؤولينا المحليين في معرض لقاءاتهم وكلماتهم التوجيهية والتوضيحية والتي قد لا نستغرب يوماً إن علمنا من "مصادر موثوقة " أنها قد وثقت ضمن مجموعة غينس تحت فصل "خطابات توجيهية" .

مصياف لمن لا يعرفها ، منطقة جبلية هادئة وادعة ، صخرية شجرية جميلة ، ذات طبيعة هادئة وشعب راق طيب وادع ، تصلح تماماً لأن تكون منطقة سياحية من الدرجة الأولى كاستثمارات مربحة متناسبة مع طبيعتها الجغرافية وطبيعة أهلها الاجتماعية الراقية ، بعيدة كل البعد عن الأراضي ذات الزراعات الاستراتيجية وبخاصة القطن الذي تتم زراعته في أراضي سهل الغاب الشهير.

تصوروا أيها السادة مقدار الاستهلاك في الطرقات الناجم عن نقل الأقطان إلى محلجة مصياف ، ومقدار الهدر والاستهلاك "الاقتصادي " في المحروقات الناجم عن ذلك ، ومقدار تكاليف النقل التي ستترتب على الأخوة المزارعين جراء نقل المحاصيل وفقاً "للتوجيهات" ، وتكاليف اهتراء واستيراد وتصليح قطعها التبديلية ، والتكاليف الناجمة عن الحوادث والإصابات في الآليات والإصابات والإعاقات البشرية ، ثم المساحات المختارة لإشادة هذه المنشآت ومواقعها المنتقاة بجدارة ، وتكاليف التنفيذ والنقل الخاصة بتنفيذها وإلى ما هنالك من اعتبارات وحسابات يمكن للاقتصاديين وللمتخصصين بيانها بشكل شبه حقيقي . وأضيفوا إليها تكاليف فرص العمل الواجبة ضمن المحلجة المنوى تنفيذها ومجموع الرواتب والأجور السنوية وتكاليف المدراء وسياراتهم والتدفئة والتكييف والديكور، ثم صيانة الآلات والمعدات السنوية وقطعها التبديلية ومصاريف التشغيل ...إلخ ، ثم قارنوها جميعها مع تكاليف توسيع المحالج الموجودة في منطقة الغاب قرب مناطق الانتاج للأقطان ... ؟

وكان التاريخ يعيد نفسه ، كالقرار القديم القاضي بإنشاء وتنفيذ وتشغيل معمل لصناعة الإطارات قرب مدينة حماه ، دون وجود لأي مواد أساسية من مستلزمات الإنتاج ليس في حماه بل في سوريا ( لعدم تطوير مصافي البترول ) ، والقرار القاضي بإنشاء وتنفيذ وتشغيل معمل لصناعة البصل المجفف في مدينة السلمية دون وجود أي إنتاج زراعي للبصل في المنطقة ، والقرار القاضي بإنشاء وتنفيذ وتشغيل معمل لصناعة الحديد المبروم لأعمال البناء في مدينة حماه دون وجود مواد أولية لتشغيله في البلاد ، كا هو القرار القاضي بإنشاء وتنفيذ معمل ثالث لصناعة الإسمنت قرب بلدة "كفربو" قرب حماه ... وغيرها من المنشآت والمعامل التي كانت صحفنا الرسمية الحكومية الموظفة تتحفنا بأرقام خططها السنوية المنجزة . قد يتنطح البعض للإجابة بأن مثل هذه المنشآت والمعامل قد قضت او ستساهم في القضاء على البطالة وساهمت أو ستساهم في رفد الاقتصاد الوطني و، و، و... إلخ متجاهلاً ما سببه التخطيط الارتجالي غير الواقعي من هدر في الثروة الوطنية ومن أعداد كبيرة من البطالة المقنعة ومن استنزاف للقطع الأجنبي ومن خسارات كبيرة للمواطنين جراء الأزمات الاحتكارية ، ومن خسارات مالية وروحية وإنسانية جراء المعالجة من عديد من الأمراض السرطانية والكثير من الأمور السلبية التي يتجاوزها عامداً من يتعامل كالنعامة .

فالتنمية المستدامة أيها السادة تحتاج إلى دراسات جادة وواقعية ، وإلى قرارات صحيحة ، وإلى اهتمام صحيح بالمستقبل والتشغيل الأمثل للموارد البشرية ، وإلى دراسات اقتصادية متناسبة مع الحفاظ على الثروة الوطنية والاستثمار الأفضل للموارد المتاحة من طبيعية وجغرافية وبشرية ... إنها لا تحتاج إلى قرارات ورقية بغرض الحصول على التصفيق وكلمات النفاق ...

يحق لنا التساؤل هنا عن موقف "الجهات الوصائية" ، ورأيها في الموضوع ، وقرارها حوله ... فما يهم ليس بتحقيق ضجة إعلامية صحفية وترداداً وتعداداً للإنجازات قدر ما يرتبط بنظرة اقتصادية مستقبلية استراتيجية تؤكد أن الجهات الوصائية هي فعلاً ... جهات وصائية .

أتمنى ألا يستثمر ما حصل كعنوان عريض بصيغة سؤال ضمن برنامج " من سيربح المليون " للشهير جورج قرداحي، يتناوله سؤالاً أخيراً للجائزة الكبرى وضمن خيارين فقط كالتالي : " محلجة للأقطان في مصياف " أهو عنوان لفيلم تراجيدي أو كوميدي سوري ...؟ وأعتقد أن العداد سيسجل سابقة كبيرة جراء القرار المذكور ، فهو قد لا يتوقف عن الدوران والتسجيل لمدة طويلة لأن مثل هكذا قرار ... بمثابة مجموعة مهولة ومميزة منها .