نصر شمالي

قال مورفي: هناك المزيد من العرب الذين يبدون راغبين بقبول أقلّ مما حلموا به!

بالإضافة إلى العدوان الأجنبي الخارجي والتواطؤ الرسمي الداخلي، تعود مأساة اغتصاب فلسطين واحتلال العراق في أسبابها إلى " شطارات" أوساط من المفكرين والأدباء والنشطاء والمحللين السياسيين، المتجلببين بجلابيب العقلانية والواقعية والحكمة، الذين يريدون أن يبرهنوا عن تمثّلهم لروح الحضارة الغربية الحديثة واستيعابهم لمبادئها ورسالتها، من دون أن يميّزوا بين إنجازاتها المادية الرائعة وممارساتها العبودية الاستئصالية الرهيبة، فهذه الأوساط تبدي استعداداً لا حدود له لارتكاب فعل التفريط المجاني، أو الخيانة الساذجة، وذلك بسبب هشاشتها البنيوية، وخوائها الروحي والنفسي والعقلي، أي بسبب انقطاعها عن جذورها وتحولها إلى كائنات متلقية، متساهلة، متنازلة، متقهقرة في أبسط المواجهات إزاء تواطؤ الداخل وعدوان الخارج، وقد كان المجاهد فخري البارودي، على سبيل المثال لا الحصر، واحداً من الذين انتبهوا في وقت مبكر إلى هذه المعضلة، فأعدّ قبل أكثر من نصف قرن كتيباً كرّسه للتحذير من خطورة الاعتراف بالكيان الصهيوني والتفاوض والصلح معه، حيث ذلك لن يكون إلا تنازلاً مجانياً، ومنزلقاً يمكن أن يؤدي إلى دمار الأمة! لقد أدرك البارودي وأمثاله أن العدو الأجنبي قابع في داخلنا طوال الوقت، لا تفصلنا عنه محيطات ولا قارات، وأنه كثيراً ما يعبّر عن وجوده فينا من خلال أقوالنا وأفعالنا، وأن بعض أوساطنا، الهامة نسبياً، تبدو عاجزة عن البتّ في مسألة ما إذا كانت فلسطين لنا بكاملها أم أنها ليست لنا بكاملها، لأنها لا تمتلك عقلها الخاص وإرادتها الذاتية، وتستمد مفردات خطاباتها من مفردات خطابات العدو، فكان تحذيره المبكر، الصريح والمباشر! * * *

والحال أن فلسطين (أو العراق أو غيره) إما أن تكون لنا كاملة، بالثوابت التاريخية الواقعية، أو لا تكون أبداً، لأن التنازل عن جزء منها يعني بالضرورة إمكانية التنازل عنها كلها، ولأن التنازل عنها كلها يعني أيضاً بالضرورة إمكانية التنازل عن قطر آخر، وبالطبع فإن التسليم بالتجزئة الحالية للأمة وأرضها يعني بالضرورة إمكانية التسليم بتجزئة الأجزاء، وأجزاء الأجزاء، وتدلنا على ذلك، كمثال، محاضرة ألقاها قبل أكثر من خمسة عشر عاماً ريتشارد مورفي مساعد وزير الخارجية الأميركي، في المعهد الملكي في لندن، حيث كشف فيها عن تمنياته المعاكسة لتحذيرات البارودي، فقال:" هناك المزيد من العرب الذين يبدون اليوم راغبين بقبول أقل مما حلموا به (؟!) فقد حدثت تغييرات على صعيد الجدل الكلامي، من بينها مثلاً أن عبارة (العدو الصهيوني الفاشي) قد زالت وحلّت محلها كلمة (إسرائيل) التي أصبحت تطبع في الصحف العربية من دون أن توضع بين قوسين، وقد تحقق ذلك عبر سياق طويل وبطيء"! هذا ما قاله مورفي بالضبط، وهو يعني أن تمنياته وأمثاله انتصرت على تحذيرات البارودي وأمثاله! * * *

لقد اعتبر مورفي حقوقنا الثابتة مجرّد أحلام يمكن أن نتنازل عن بعضها، وبالتالي عن كلها، وإنه ليتوجب التوقف عند الأهمية العظمى التي أولاها البارودي وأمثاله، ومورفي وأمثاله، للتفاصيل المتعلقة بالأقواس والتسميات والمفردات، وبالفعل رأينا في ما بعد كيف انحدر المفرّطون بهذه التفاصيل إلى حضيض التفريط بالأوطان! لقد واصل المفرّطون تراجعاتهم مبتدئين بأصغر الصغائر وصولاً إلى أكبر الكبائر! وما هي الكبائر في مكوناتها وأصولها إن لم تكن أكواماً من الصغائر؟ غير أن العدو الأميركي الصهيوني واظب على تمسّكه بأدق تفاصيل ثوابته الباطلة، مصرّاً على تلفيقاته التي هو أول من يعرف أنها مجرّد أكاذيب، بينما حذف أصحابنا الأقواس الضرورية من نصوصهم، واستبدلوا المفردات والتسميات الصحيحة بأخرى غير صحيحة، فكأنما هم يقولون للعدو أنهم يسلّمون بحقه في جزء من فلسطين، فما الذي حدث؟ لقد ازداد العدو شراسة وتشبّثاً بثوابته، لأنه يعرف جيداً أن لا حق له في ذرة من تراب فلسطين، وأنه طالما نجح في انتزاع اعترافنا له بالجزء فلماذا لا يصّر على انتزاع اعترافنا له بالكلّ؟ * * *

في تلك المحاضرة التي ألقاها مورفي في لندن قال ما يلي:" طغت العقيدة الصهيونية على مخيلة الشعب اليهودي وعلى مخيلة الغرب عموماً، وشجعت الشعب اليهودي على الحلم بإعادة بناء بلاد صهيون وفقاً لما بشّر به العهد القديم، وتشكلت رؤيا ينبغي توجيه جهود الجميع نحوها"! هذا ما قاله مورفي، فهل كان يقصد ضمناً جهودنا أيضاً، التي يجب أن تبذل بدورها لتحقيق الرؤيا الخرافية؟ لقد أشار مورفي إلى الخطاب التاريخي العربي، الإسلامي المسيحي، فقال:" لدى ترجمته إلى مواقف سياسية عملية (يقصد الخطاب العربي) فإن الأيديولوجيات القائمة على الدين تصبح أدوات في أيدي ديماغوجيين سياسيين يدّعون تمثيل الحقائق المقدّسة من دون أن يكونوا كذلك"! هذا ما قاله من دون أن يرفّ له جفن، فما يقبله من اليهود ولليهود بحماسة، يرفضه من العرب وللعرب بحماسة أكبر، وهو لا يقيم وزناً للحق والباطل، ولا يأبه للتناقض الصارخ في موقفه، طالما أن ضحاياه يجارونه في ما يذهب إليه! هل تحققت أمنيات مورفي وأمثاله، وهل ضاعت تحذيرات البارودي وأمثاله؟ أبداً! فالأوان لم يفت بعد من أجل العودة إلى الاستقامة، والاستقامة، ثم الاستقامة بصدد حقوقنا وواجباتنا، علماً أن الاستقامة لا تتناقض مع ضرورات المساومة والمناورة والتكتيك! www.snurl.com/375h