هل نصدّق القائل يوماً ان العرب استقالوا من التاريخ مع وفاة الرئيس عبد الناصر، حامل آخر حلم عربي؟ واذا صحّ ذلك، فهل يمكن ان يكونوا الآن في طور الاستقالة من "الجغرافية" كذلك، جغرافية ما كان يطلق عليه حتى أمسٍ قريب اسم العالم العربي، فصار الآن شرقاً أدنى حيناً وأوسط أحياناً، ثم في حين قيد الابتكار "الشرق الأوسط الموسّع"؟ يسوقنا الى هذا التساؤل لجوء الشقيقة الجمهورية العربية السورية الى توقيع اتفاق للتعاون العسكري مع الدولة الشرق الأوسطية الأكثر حضوراً الآن، عنينا ايران الاسلامية، وذلك بعدما كانت قد وقّعت اتفاقاً مماثلاً (وقّعه القائد ذاته، العماد حسن توركماني) مع تركيا... وجرى التوقيع حينذاك – بما يحمل الأمر من رمزية لا تخفى على سوري (أياً كان اسمه) ولا على لبناني خصوصاً – جرى التوقيع في "هاتاي"، المدينة المترّكة في "لواء الاسكندرون السليب"؟ علماً بأن الاتفاق مع تركيا (ألا يزال قائماً، يا ترى؟) لم يلغِ في حينه الاتفاق الذي كان يربط تركيا واسرائيل بما يشبه حلفاً عملانياً تجري في ظلّه مناورات عسكرية مشتركة، فضلاً عن صفقات الاسلحة التي لا حاجة الى التذكير بها.

لماذا التساؤل عن استقالة العرب من الجغرافية؟ لأن "الأدبيات السياسية" في دنيا المشرق الذي كان عربياً صارت كلها اسلامية صرفاً، وتقسيمية بين شيعة وسنّة، مما كنا تجاوزناه او "نحلم" بتجاوزه أيام عبد الناصر والرئيس الراحل حافظ الأسد كذلك، رحمهما الله. والعاصمتان "الاسلاميتان" (كل على طريقتها!) انقرة وطهران تتشابهان بالحنين الامبراطوري في المساحة العربية سابقاً، واحدة تستعيد ذكريات العثمانيين والثانية تعود في التاريخ الى أقدم الأمجاد الفارسية. ونحن حيال ذلك نكاد نفتقد، في الجغرافية الاسلامية، دوراً عربياً كان لنا، بأمجاده وطموحاته.. وخصوصاً حيال ما صار يقال لنا، ببعض الشماتة، انه، منذ سقوط الأمويين لم يعرف التاريخ ولا خليفة عربياً... بالكاد كان لنا بعض الادباء والشعراء، في حين كان معظم مفكرينا والفلاسفة وحتى العلماء من "الاعاجم"، (الفارابي مثلاً من مدينة فاراب في أفغانستان!) ناهيك بأن كبير قوادنا العسكريين، صلاح الدين الأيوبي، لم يكن عربياً حقاً، بل كانت عروبته نسبة الى اسلامه. وهكذا عن المماليك والفاطميين الخ... الخ... اذاً: فقط الانتساب التاريخي عربياً، لأن "الله أنزل دينه عربياً"... ولكن الجغرافية اسلامية. وبالتالي هكذا تكون الجيوستراتيجية؟!... كما كانت المساحات الامبراطورية؟

فلا نستهيننّ اذاً بواقعية دمشق الشام ولا بحذقها الستراتيجي، على الأقل تكتياً حتى الآن... انها، بواقعيتها، سبّاقة الى اليأس من "ورقية" المواثيق العربية، وفي طليعتها "ميثاق الدفاع العربي المشترك" والقيادة العربية "الموحدة"الطيبة الذكر التي انشئت عشية حرب حزيران 1967، ولم تمنع الهزيمة العربية النكراء التي وصفناها – تعزية للنفس العربية و"الاباء العربي" – بـ"النكسة"... نكسة لم ننهض منها بعد، كما لم ننهض يوماً من "نكبة" 1948!!! وما همّ "الواقعية" السورية ان هي استمرت في استظلال فتات هدنة 1949 على حدود جولانها، وهو الممنوع التشبه بمثله على حدود لبنان طلباً لسلام كمثل الذي أمّنه "العزيز هنري" (كيسينجر ما غيره) لسوريا ومصر نتيجة الانتصار العربي الوحيد في حرب تشرين 1973، التي خسرنا بعده مدائن استعدنا بعض حقوقنا فيها – بوساطة كيسينجر المكوكية – عبر اتفاقات فصل بين القوات لعلها هي التي تمنع المقاومة من اجتياز خطوط وقف النار هناك حتى... حتى بالصواريخ!!!

إلى أين من هنا؟ إلى طرح التساؤل اللبناني الطبيعي: أيّة ضمانة بعد يمكن ان يطمح بها واليها لبنان العربي من المواثيق العربية، السياسية قبل العسكرية الميؤوس منها؟ وكيف يمكن ان يتحرك الطيّب النيات الأمين العام لجامعة الدول العربية بمبادرة عربية يبشّروننا بها، ونرتقبها بكثير من الولع، ولو من دون كثير طبل وزمر وزغاريد؟ أم انه صار على لبنان أن يطمح الى حماية في ظل اتفاق التعاون السوري – الايراني، ما دامت ايران لا تزال هي على عدائها لاسرائيل عدو لبنان الأخطر... كي لا يضطر الى الأسف على سقوط الامبراطورية العثمانية التي استشهد ابطال الوئام السوري – اللبناني نتيجة تصديهم لها، ولو بأقلامهم والايمان، فكان مصيرهم الشنق في دمشق كما في بيروت وعاليه!

وماذا تراه يكون الأقوى والأقدر زخماً في تطلعنا المستقبلي الاستقلالي: الاستمرار في استلهام التاريخ، أوَنستمر نتطلّع مثلاً - كائنة ما كانت الجغرافية – الى "ورقة" السلام السعودية في آخر قمة عربية في بيروت؟ أم نتهيأ بصبر لاستقبال الأمين العام للبقية الباقية من الحلم العربي... على وقع موسيقى فارسية ساحرة وقصائد سعدي وعمر الخيّام!!!

لا، كلا... يستمر لبنان خميرة عروبة توحّد بين اسلامه ومسيحيته وتبقى هذه "عائلات روحية" متآلفة، ولو تنوعت شيعاً وكنائس... ووحدها العروبة المتفائلة بخير الحلم التاريخي تحمي وحدته وتعزز حقوق الانسان فيه والمواطن، وتقدّس حرياته ودماء الشهداء، استقلالاً بعد استقلال ونهضة بعد نهضة. تلك هي رسالة تاريخنا الأقوى من جغراسية آخر زمان، مهما توسّع بنا الشرق الأوسط، شمالاً أو جنوباً!