لا يكفي أن يطلب البرلمان الصومالي، أو الحكومة الانتقالية، التدخل الخارجي ليحصلا عليه. بل إن الطلب في حد ذاته اظهر أن هذه الحكومة لا تستطيع شيئاً في حدود قدراتها الحالية، هذا إذا افترضنا أصلاً أن لديها تمثيلاً وشرعية لا غبار عليهما، صحيح أنها مقبولة اقليمياً، وإلى حد ما دولياً، باعتبارها الصيغة الواقعية الممكنة لاعادة احياء الدولة الصومالية، إلا أن الجهات التي بلورت شرعيتها سواء كانت عربية أو افريقية - دولية تلكأت طويلاً في مدّها بما يلزم كي تتمكن على الاقل من طرح نفسها اداة توحيد لبلد أعلن فيه كيانان (بونت لاند، وارض الصومال) انفصالهما، أو لتتمكن من انهاض الجيش الذي اندثر مع دولة محمد سياد بري.

على رغم أن ما يسمى «الهيئة الحكومية للتنمية ومكافحة الجفاف» (ايغاد) هي في واقع الامر جهاز اقليمي تديره واشنطن، وعلى رغم ان «ايغاد» هذه تبدي تبنياً لـ «الحكومة الانتقالية»، إلا أن الادارة الاميركية انفقت على ميليشيات الفساد أكثر مما ساعدت تلك الحكومة. كان الوسواس الارهابي صانع السياسة الاميركية لبلد ترغب واشنطن في الانتقام منه، وكأنها لم تنتقم بعد إذ تركته نهباً لابنائه ولجيرانه يصنعون منه بؤرة يرمون فيها كل موبقاتهم. وطالما ان بازار الارهاب قد فتح، فإن «امراء الحرب» وجدوا الفرصة سانحة لبيع أي صومالي على أنه أحد أهم وأخطر قادة «القاعدة» واختُرعت سيناريوات جاءت حتى بأسامة بن لادن الى الصومال، وراح «امراء الحرب» يزايدون على اللوائح الاميركية مرشحين اسماء كثيرة لدخولها، لكن الحصيلة ظلت بائسة. لا شك أن وضعاً كالذي يعيشه الصومال كان ولا يزال مؤهلاً لتوليد أكثر من «قاعدة».

مع ذلك، لا يمكن الافتعال الى ما لا نهاية. طبعاً سهلت انتصارات «المحاكم الاسلامية» وسيطرتها على اجزاء واسعة من الصومال الاشارة الى تكرار لسيناريو «طالبان» في افغانستان. وقيل أيضاً ان «المحاكم» تستبطن القاعدة وتؤويها. لكن ماذا لو لم يكن لديها مشروع «قاعدي»؟ السؤال مطروح، لأن الفوارق واضحة مثلما أن المقارنة جائزة. هناك بالتأكيد الهوية الاسلامية، والشريعة كمرجعية، والرغبة في اقامة دولة اسلامية كهدف، لكن هناك أيضاً الظروف المختلفة والجيران المختلفون والوضع الجيوبوليتيكي المختلف، ثم ان احداً لم يسأل الصوماليين رأيهم إذا كانت هناك مفاضلة بين تحالف الميليشيات و «المحاكم»، إذ قد لا يفضلون أياً منها، لكنهم لن ينصروا الميليشيات في اي حال. أما «الحكومة» فلعلهم ينتظرونها، لكنهم لم يروا بعد خيرها من شرها، وأما «المحاكم» فهم يعرفونها منذ لم تعد هناك دولة ولا قضاء لبتّ شؤونهم، لكن أن تحكم وتصبح هي الجيش والدولة فهذه قصة اخرى.

الآن ماذا عن التدخل الخارجي؟ في أسوأ الاحوال وفي احسنها سيطيل فترة الضياع الصومالية. لم يكن معروفاً، ولا يزال مجهولاً ما الذي تريده اميركا لهذا البلد، كلفت به اثيوبيا ثم عهدت حتى الى جيبوتي برعاية حل سياسي لمأزقه الشامل، وفي مختلف المراحل كانت تفضل استبعاد الجامعة العربية، وترجح تدخل «ايغاد». وحين تتدخل «ايغاد» فإنها تمثل واشنطن. لكن الاميركيين اثبتوا في كل وقت أنهم غير حريصين على الاستفادة من خبرة جميع من كلفتهم أو استبعدتهم، فالذي في رأسها هو ما ستعمل على تنفيذه: لا دولة اسلامية في الصومال، لا مساعدات كافية للحكومة الانتقالية لأن هناك اسلاميين قريبين منها، وأخيراً لا رهان على الميليشيات بعدما انفضح أمرها، ولا حوار بين هؤلاء لا بمبادرة منهم ولا بمبادرة من دول الجوار، وهكذا... مما يعني أن الولايات المتحدة لا ترى أي حل حتى الآن، وما على الصوماليين سوى الانتظار الى «أن يغيروا ما بأنفسهم» ويتحولوا الى حب اميركا ليس بالقلب فحسب بل بالعقل أيضاً.