فيما مضى من زمن سابق على عصر ثورة الاتصالات ، كانت سلطة كرة القدم وسطوتها لا تتعدى نطاق المستطيلات الخضراء في العواصم ، والمسطحات المتربة في الضواحي والدواسر. وكان نفوذ اللاعبين والأندية والاتحادات الرياضية ، لا يتجاوز حدود النخب والأعضاء والمشجعين ، وقلة قليلة من الشباب العاشقين لتلك المستديرة الساحرة ، ولنجوم لاعبيها الكبار.

أما اليوم ، وبعد أن اختصرت تقنيات وسائل الاتصال المسافة بين أي نقطتين ، وصار العالم حقاً قرية كونية ، فقد تغيّر كل شيء على وجه التقريب ، بما في ذلك المفاهيم والاهتمامات والمعارف والثقافات ، وتقدمت سلطات بمضامين جديدة على غيرها من سلطات تقليدية ، وتراجعت قوانين محلية قديمة ، لصالح قوانين كونية أكثر مضاء ، وأعلى مرتبة ، وأشد إلزاماً من سابقاتها في أغلب الأحيان.

ومع أنه يمكن الإشارة إلى أمثلة عديدة ، على السلطات والقوانين الاحلالية الجديدة في العالم ، مثل سلطة النظام المصرفي وقوانين التجارة العالمية ، إلا أننا نود أن نشير هنا إلى سلطة كرة القدم ، التي تواصل فرض نفسها على العقول والقلوب ، وتملي حضورها الجميل في موضع القلب من مربع الاهتمامات الخاصة والعامة على حد سواء ، تماماً على نحو ما يبدو عليه الحال هذه الأيام ، مع سلطة المونديال التي لا تجارى ، وجدول مبارياتها الذهبية بعد ظهر كل يوم.

ومن نوافل الكلام ، القول أن الرياضة بكل فروعها ، لا سيما رياضة كرة القدم ، قد باتت صناعة كبرى ، صقلتها وجوّدت مخرجاتها دول صناعية متقدمة ، ذات إمكانيات بشرية ومادية واسعة ، ثم دخل عليها مستثمرون كبار ، وأحياناً سياسيون وقادة أحزاب ، راحوا يشترون الأندية واللاعبين المميزين ، ويحتكرون حقوق بيع التذاكر وساعات البث ، فزادوا من جاذبية الملاعب ، وعظّموا من مكانة كرة القدم ، وأضفوا عليها خاصيات جعلت من المباريات الوطنية أحداثاً محلية كبيرة الشأن ، تستقطب إليها الملايين.

وليس من شك في أن الدول على وجه العموم ، والدول النامية حديثة النشأة على وجه الخصوص ، قد اهتمت بالغ الاهتمام بتنمية رياضة كرة القدم ، حيث أقامت المرافق والملاعب ، وأنفقت على الأندية والفرق بسخاء شديد ، واستقدمت إليها أفضل المدربين ، من منطلق أن هذه الرياضة قد تعزز مشاعر الانتماء الوطني لدى جيل الشباب المعرض لشتى التأثيرات غير المرغوب فيها من جانب الحكومات ، فوق أن هذه الرياضة تبرز التقدم الحضاري لشعب بعينه ، لدى إجراء المنافسات الخارجة المتعددة المسميات ، كما أنها قد تشبع الحاجة إلى انتصار يشفي غليل الناس المفتقرة بشدة إلى أي انتصار.

وبمرور الوقت ، ومع اتساع نطاق تعلّق المعجبين بلعبة كرة القدم ، ذوت بعض الأفكار القديمة حول هذه اللعبة ، التي كانت توصف ذات زمن غير بعيد ، أنها مؤامرة شيطانية على النشء ، تخرّب عقول الشباب وتبعدهم عن الاهتمام بقضاياهم الوطنية ، خصوصاً بعد أن اتضح أن كرة القدم هي لعبة دول كبرى بين بعضها البعض أساساً ، لا محلّ فيها للسبق أو حتى المنافسة الجادة من جانب الشعوب والدول النامية ، التي يراود مواطنيها فرحة الفقراء إذا ما شارك فريق منها في لعبة الأغنياء هذه.

وتحت السطوة المتعاظمة لسلطة كرة القدم انجرفت ، طوعاً واختياراً ، شرائح جديدة من المجتمعات في أربع الجهات ، لمتابعة المباريات المهمة ، وتقاطرت على ملاعبها وشاشات البث الملّون ، أجيال أخرى من غير الأبناء الشباب ، من أجل الاستمتاع بهذه اللعبة التي تسرق الألباب ، إلى حد باتت فيه مباريات المونديال ، على سبيل المثال ، أهم حدث في حياة الأسرة كلها ، وأفضل مناسبة لتجمع الأهل والأصدقاء ، وتقاسم متعة الانحياز لفريق من هناك ، وتشجيعه ضد فريق من هنالك ، ولو كان من بلد بعيد وراء المحيطات.

وإذا كان من الصحيح أن هناك بعض المظاهر السلبية والعوارض الجانبية للعبة كرة القدم ، في مقدمتها شغب الملاعب ، إلا أن منافعها الحسية وغير الحسية تفوق كل ما عداها من مظاهر يمكن احتواؤها ، الأمر الذي يتمنى المرء معه لو أن المونديال يُنظّم كل عام ، وتدوم مبارياته لفترات زمنية أطول ، طالما أن هذه المناسبة التي تتكرر مرة واحدة فقط كل أربع سنوات ، لديها كل هذه القدرة على تحسين الأمزجة المثقلة بهموم الحياة ، وفيها هذه الفسحة النادرة لتلطيف أجواء الحوارات المنزلية ، وتبديل الاهتمامات ثقيلة الوطأة على النفوس الملتاعة ولو لبعض الوقت ، وإشاعة كل هذا القدر الهائل من الاستمتاع لدى الكثرة الكاثرة من الناس.