نمتلك خلفية تاريخية في تجذير الإحتقانات وتطوير وجهات النظر لتكون خلافات عقيمة، ونقصد نحن العرب ، وتحديدا النخب السياسية صاحبة القرار، أي نحن من هواة ركن المشاكل دون حلول، بل من المهووسين بالمسكنات ظنا منّا أنها علاجات ناجعة، حيث عندما نعرف أن هناك سرطانا نتعمد بإعطاء حبوب البراسيتول، ولهذا نحل الجسد العربي وتداعى و غرقنا بالمشاكل، وتعبنا من أجل إيجاد الحلول لمشاكلنا، ولهذا أصبحنا نرضى بل نرقص لأنصاف وحتى أرباع الحلول، بل وصل بقسم منا لتقبيل الأيادي الوافدة، والتي تمتلك نوعا من القوة في سبيل مساعدتنا في إيجاد الحلول لنا وعلى طريقتها هي، ودون الإنتباه أن بيننا من هم على دراية بإيجاد الحلول، ولنا أحيانا جيران يمتلكون الحلول أو يساعدون في إيجادها، ولكن الأنا المتجذرة بنا ونظرتنا على أن ( مطربة الحي لا تُطرب ) ولدت لنا خلفية ثقافية جاءت عن موروث غير منّقى وغير مغربل، بحيث أن شرائح كثيرة من العرب تظن بأن المواطن الأجنبي لا يعصيه شيئا، وأن الذي عيونه زرقاء وشعره أشقر يمتلك حلولا سحرية لجميع الأشياء، وأنه يفهم في الطب والهندسة والزراعة والكيمياء والصيدلة والتجارة، ويجيد الغناء على طريقة الهوارة الهوارة، وينظم الشعر النبطي والشعبي، وهذا يدل على أن هناك ثقافة شقراء سجلت علينا إنتصارا كبيرا ،ورسخت في أذهاننا لا حلول إلا من خلال الأجنبي ،ولا حلول إلا من الدول الكبرى، وعندما تنهض دولة عربية أو إقليمية نحن من يزرع في طريقها الأشواك بتنظيراتنا وإصطفافنا مع الأجنبي، لأنه دوما على حق من وجهة نظر كثير من العرب، . حتى القرن السادس عشر كان الناس في سويسرا يأكلون لحوم البشر ! فما بالك وإن الثقافة الشقراء أصبحت لها مجلسا عالميا شريرا وخطيرا هو ( مجلس المحافظون الجُدد ) وله فروع في الدول الأوربية والعربية والآسيوية واللاتينية، ولهذه الفروع أذرع إخطبوطية سياسية وإقتصادية وثفافية وإعلامية،

وإن الأخيرة أخطرها كونها غسلت و تغسل أدمغة الناس إستباقيا وتمهيديا من أجل تطبيق المشاريع التي جثمت وسوف تجثم على تراب البلدان وصدور الشعوب، وتحت ذرائع كثيرة معظمها ورديا مثل بسط الحرية والديموقراطية والمساواة والإعمار وغيرها، وهي الشعارات نفسها التي قالوها من قبل في والى الفلبين وكوريا وغرينادا وهاييتي وبنما والصومال ولبنان ولكنهم حولوا قسما منها الى منتجعات مفتوحة تفوح منها رائحة الجنس والأيدز، والأخرى تركتها بلا دولة بل مجرد علم خاو وسط الأعلام العالمية مثل الصومال، وتركت القسم المتبقي تعصف به المشاكل ولم تصل حتى الى قشور الديموقراطية والأخرى حولتها الى مجرد قواعد حربية وعسكرية مثل كوريا، ولكننا لم نقرأ ونتابع كي نتحصن، بل نقرأ وننسى وأول النسيان هو نسياننا بأننا أهل الطب والهندسة والتاريخ والفقة والبلاغة والأدب، ونحن الذين أوجدنا العلوم والأفكار والأبحاث، ونحن من علمهم الحروف والكتابة والموسيقى وغير ذلك، حيث كان المواطن الأميركي مجرد همجي تائه، والمواطن الغربي لا يجيد غير القرصنه والقتل والحرب، فحتى القرن السادس عشر كانت الناس في ( سويسرا ) من أكلة لحوم البشر، ولهذا نحن شعوب ضاعت منّا ( المشيتين ) أي تنطبق علينا قصة الغراب عندما أراد تقليد الحمامة ،فعندما أراد تقليدها نسى مشيته الأصلية ولم يتعلم طيران الحمامة، وأصبح ينطنط ولا زال ! ، وهنا لا نجيّش ضد الغرب أو ضد الإنسان الغربي أو ضد الحضارة والثقافة الغربية ( الشقراء ) فالمقال يقصد منه شحذ الهمة عند العرب وعند أجيال المنطقة

الشركات الأميركية والغربية هي التي تُحدد ما نشربه و نأكله و نركبه ! ونتيجة ذلك حولتنا الثقافة الشقراء التي كشّرت عن أنيابها في السنين الأخيرة الى مستهلكين ولكل شيء، بحيث حتى إبرة الخياطة أصبحت مستوردة من الخارج، وحتى الكوفية والعقال والذي نسميه عربيا يُصنع في إنكلترا والصين وغيرها، أما بلداننا فأصبحت بلدان مستهلكة لما تنتجه الشركات الأميركية والغربية العملاقة، وأصبح المواطن العربي يتباهى بأنه يرتدي الملابس الأميركية أو الفرنسية ويركب السيارات الألمانية واليابانية الفارهة، وبالتالي أصبحت هي التي تُحدد مالذي نشربه و نأكله و نركبه، فتحولت هي الى صانع ومحرك مستقبل دولنا وشعوبنا سياسيا وإقصاديا وإعلاميا وإجتماعيا وأخيرا حتى دينيا .

ولا نعتقد أنه هناك شركة تنبه مستهلكها وتقول له ( أرجوك حافظ على نقودك، أو أرجوك ضع ميزانية لمصروفك ومصروف عائلتك ) بل هي تعمل وتتحرك في سبيل إفراغ محفظة المستهلك وبأسرع ما يمكن، فكبرت الفجوة بين شرائح المجتمعات العربية، وتحول المواطن العربي القنوع المتكافل، والذي تحدد حركته ومعيشته وتصرفاته الثوابت الأصيلة الى بلدوزر يزيح كل شيء أمامه حتى لو كان أخيه أو من ذويه في سبيل مصلحته الشخصية، فتولدت في أوطاننا وبين شعوبنا ثقافة شقراء وافده تعتمد على رأس المال ليكون هو أساس التقييم والتقدير والإحترام، وليس الشرف والأخلاق والناموس والعادات والتقاليد والأصل والفصل، وتعتمد على تغيير المفاهيم بحيث تصبح الخيانة مجرد جهود من أجل التغيير نحو الأفضل، وأصبحت العمالة هي مجرد علاقات عامه ناجحة، وكذلك أصبحت الأعمال والأفعال المخلة بالشرف والوطن والمجتمع مجرد حرية شخصية وفكرية، كل هذا والأنظمة العربية تتفرج، والمؤسسات التربوية والإجتماعية والدينية تطبّق الإملاءات الوافدة بكل إخلاص وإمعان ،فالمهم رضا الحاكم والبقاء في المنصب والوظيفة أما المسؤولية الإخلاقية والمهنية والوطنية فهي مجرد شعارات تستخدم عند الضرورة ولإيهام المواطن، وتحت شعار الجزأ يضحك على الكل .

أسباب محاربة البرنامج النووي الإيراني بهذه الشراسة؟ نتيجة كل ما تقدم فليس من مصلحة الولايات المتحدة وشركاتها المختلفة، وكذلك ليس من مصلحة الدول الغربية وشركاتها أن يكون هناك نهوضا في الدول العربية، أو في دول المنطقة بل هي تريد الدول العربية ومعها دول المنطقة مثل إيران مجرد أسواق إستهلاكية على المستوىالإقتصادي والثقافي، وتريدها مختبرات سياسية لتجريب الخلطات السياسية كما هو حاصل في العراق، فليس من مصلحة أميركا والغرب أن يكون هناك نهوضا في هذه الدول وخصوصا في مجال التكنلوجيا والطاقة، فهذا يعني من وجهة نظر الولايات المتحدة والدول الغربية ( قطع أرزاق ) أي معناه إنحسار نفوذ الشركات الأميركية والغربية عند بلوغ التكنلوجيا والطاقة في إيران ،لهذا يريدون لنا الإستمرار في التخلف كي يستمر مسلسل الإحتياج لهم، ويريدوننا بحاجه لهم دوما كي نبقى بلا كرامه، ونبقى مجرد ساحات يتحرك عليها اللوبي الغربي والأميركي ويصنع بها ما يشاء .

وبنفس الوقت ليس من مصلحة ( إسرائيل ) أن يكون هناك نهوضا لا عند العرب ولا حتى عند إيران، لأن إسرائيل لديها مشروعا كبيرا وبدعم الولايات المتحدة والذي من أجله جاءت الحرب على العراق وهو ( مشروع الشرق الأوسط الكبير ) ، أي من خلاله تكون إسرائيل هي الدولة الكبرى في المنطقة، وهي التي تحدد مصائر الدول العربية وشعوبها ومعها دول المنطقة مثل إيران تحديدا، ولهذا هي تدعم وتشجع قيام الدويلات والكانتونات أي إسرائيل، وتدعم الطلبات الإنفصالية على أسس مذهبية وعرقية وإثنية، وحتى على أسس حزبية من أجل بسط الطريق لتطبيق نظرية ( مشروع الشرق الأوسط الكبير ) والذي ستبقى من خلاله إسرائيل متكامله ودوله، وأما الدول الباقية فستكون كيسا من الفستق أي تتحول البلدان مجرد وعاء وبداخلها دويلات وإقطاعيات متناحرة أو تتناحر حسب الإشارة والطلب من المايسترو الإسرائيلي . فما يحدث عند تطبيق مشروع الشرق الأوسط الكبير هو من يحدد مستقبل تلك الدول العربية وما يجاورها سياسيا وإقتصاديا هي إسرائيل لا غيرها، وهذا هو صلب مشروع الشرق الأوسط الكبير، لذا فأن أي مشروع نهضوي في المنطقة هو بمثابة إنذار لإسرائيل، وتعطيل لمشروعها التفتيتي الذي بدأته في العراق وتلاه السودان وهناك دولا تنتظر .

فمن هنا لا يجوز الوقوف مع الولايات المتحدة الى نهاية الطريق، خصوصا عندما أعلنت مرارا ،ولا زالت تعلن أن ما يهمها في المنطقة هي مصالح إسرائيل، وأنها مستعدة لإستعمال الرد النووي لو تعرضت إسرائيل للخطر، أي تحول الأمر وتحديدا في زمن إدارة بوش الجمهورية أي أصبحت إسرائيل هي القائد الحقيقي للولايات المتحدة، فالذي حصد ويحصد النتائج سواء من الحرب أو من سياسات الضغط هي إسرائيل وبخسائر قد لا تذكر أصلا . من مصلحة العرب دعم المشروع الإيراني ! لذا فمن مصلحة الدول العربية وشعوبها دعم التوجه الإيراني نحو إمتلاك الطاقة النووية، فلا يجوز دعم التوجهات والسياسات الأميركية والتي هدفها حماية إسرائيل، فدعم الولايات المتحدة ضد إيران هو دعما لإسرائيل، لذا يُفترض دعم مشروع الطاقة النووي في إيران من خلال الإنفتاح السياسي على إيران ثم مطالبتها بتطمينات خطية سياسية وإقتصادية متوسطة وبعيدة المدى كي تتجسد أسس الثقة في النفوس والميدان .

فالزمن لصالح العرب، وعلى دول المنطقة أن تنتزع هكذا تعهدات من الجانب الإيراني، خصوصا وإن إيران بحاجة الى هذا الدعم وهذه الحوارات، وإن من يظن إن إيران سوف تتنازل عن برنامجها النووي السلمي فهو واهم كثيرا، فإيران لن تتنازل عن برنامج الطاقة النووية حتى لو أعطت ربع الشعب الإيراني فداءا لهذا المشروع الذي سيجعلها بعيده عن الهيمنة الأميركية ،ويجعلها دولة لها كرامتها وكبريائها، وستفرض شروطها الدولية، فالمشروع الإيراني قادر على أن ينقذ إيران من التخلف والتبعية والهيمنة الخارجية، لذا فمن مصلحة الدول العربية وخصوصا المجاورة الى إيران التعامل بحكمه مع الجانب الإيراني من خلال دعمها مقابل ضمانات سياسية، وضمانات أن تُنهّض معها الدول والشعوب العربية المجاورة لها، وتسمح لها بالركوب بمركبها والذي أصبحت عملية إنطلاقه نحو النجومية والإحتراف قاب قوسين أو أدنى، وهذا بحد ذاته سيقود الشعوب والدول العربية نحو الخروج من النفق الإستهلاكي الذي وضعته به الولايات المتحدة والدول الغربية، وذلك من خلال إيران خصوصا، فنحو رمي إيديولوجية ( مطربة الحي لا تُطرب ) فالمطربة غنّت وسوف تصعد على المسرح العالمي قريبا، وكذلك رمي الإيديولوجية القومية المتشددة لتحل محلها لعبة المصالح والفوائد، فالعافية عند جاري ليست بالضرورة مضرة لي، بل حتما سيعم الخير وإنتفع منه في يوم من الأيام، فحتى وإن أصبحت الدول العربية سوقا إستهلاكيا لإيران فهي خدمة للمنطقة وللإسلام، وستكون العملية مربحة للدول العربية حيث سيصلها ما تحتاجه من أدوبة وتكنلوجيا وخدمات بأقل الخسائر وبزمن أسرع بحكم الجغرافية المشتركة، والتي ستفرض قصر المسافة .

وبنفس الوقت أن إيران بحاجة للعرب الآن و حتى عندما تنجح في مشروعها النهضوي، لهذا فالعرب بحاجة الى سياسيين من نوع خاص، وليس في نفوسهم أدران الماضي، و يجيدون التعامل مع الجانب الإيراني، ولا يضعون الأشواك، ولا يصنعون الألغام بين إيران والدول العربية مثلما تريد وتتمنى الولايات المتحدة، فحينها ستكون هناك علاقات جيدة وذات فائدة على المنطقة كلها، وقد توقف الإنهيار الكراماتي العربي .