دمشق : لم يعد يسمع في دمشق أي صدى لمسعى عربي أو دولي لتضييق الهوة بين سوريا ولبنان. بات بحكم الواقع أن أزمة الثقة بين الطرفين، خصوصاً من جانب دمشق، أصبحت بالغة التعقيد. مدخلها، كما مخرجها، عنوان وحيد برأي الأوساط السياسية المتابعة في دمشق، هو <بناء أرضية الثقة>. أما ما يحول دون ذلك، فهو الواقع المعقد، الذي يجعل أية مبادرة في هذا الصدد تبدو انتحارية.

يمكن البدء بمجلس الأمن وتحديداً من قراره الرقم ,1680 الداعي إلى إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وترسيم الحدود. دمشق تعتبر أن الذهاب إلى نيويورك لطلب الضغط على دمشق، ومن قبل ذلك تلك الزيارة الودية لواشنطن، إنما هو <رحلة في الاتجاه الخاطئ>، في الجغرافيا والسياسة. وعلى ذلك بني، ما مفاده أن <دمشق لن تستجيب لهذه الطلبات تحت الضغط الدولي>.

وفي الوقت نفسه، يستقبل فريق لبناني وفداً من <الأخوان المسلمين>، بالتزامن مع الإعداد لقرار مجلس الأمن، وتصبح ارضية الثقة، هلامية أكثر، بل بما يتعدّى ذلك، حين يقول مصدر سوري مطلع <للسفير> إنه لو كان في <لبنان سفارة لكانت أغلقت في سياق ما جرى خلال العام المنصرم من اعتداءات لفظية على سوريا، وتحضير عناصر الضغط عليها>. عنصر التحقيق في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، هو عنصر لا يقلّ أهمية. ثمة رأي قوي في دمشق أن التحقيق الدولي سيبقى <مادة للتجاذبات والتأثيرات السياسية حتى يصل هذا التحقيق إلى هدفه>. وهو <الحقيقة التي لا تخشاها دمشق>، وفق أكثر من مصدر سوري رسمي.

هذا <التحقيق>، الحذر في مضمونه وأسلوبه، تواجهه العاصمة السورية بحذر مشابه يقوم على التعاون خطوة بخطوة، وقراءة كل مؤشرات الاستغلال السياسي الممكنة لبعض القوى اللبنانية والدولية ضد سوريا. وهو تحقيق سيستمرّ عاماً على الأقل، وسيبقى غيمة سياسية مؤثرة في أي تقارب لبناني سوري بمعزل عما اتفق عليه في لبنان، من فصل التحقيق عن مسار العلاقات. والبرهان الآخر على ذلك، من وجهة نظر سوريا، هو في نشاط مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لتنفيذ القرار 1559 تيري رود لارسن، والذي بعث حياً، بعدما تبين أن رئيس لجنة التحقيق الدولية سيرج برامرتز لن يكون بمقدوره تأمين وقود كافٍ لحملة الضغط على سوريا، وقد قال ذلك في مستهل استلامه لعمله، وفق ما أكدت مصادر دبلوماسية غربية واسعة الاطلاع ل<السفير>، خلال لقاءات نظّمت له في باريس ونيويورك. وعلى أساس ذلك، تقرر تحريك عجلة القرار ,1559 وفق المصادر ذاتها، وتوسيعها لتشمل بناء علاقات دبلوماسية سورية لبنانية وترسيم الحدود. ومرة أخرى كان ردّ دمشق، أن سورية نفّذت ما يخصّها من القرار ,1559 وأن لارسن <يمكن أن يأتي ولكن للسياحة>.

وهكذا جاء القرار .1680 وأصبح بمقدور الرئيس فؤاد السنيورة أن يذهب إلى دمشق محمّلاً بقرار دولي، وبدعم أوروبي وأميركي لمطالبه، قبل أن يكون قد تحاور فعلياً مع السوريين بصددها.

دمشق، تبادر باتجاه معاكس. تبقي الدعوة الموجّهة الى وزير الخارجية فوزي صلوخ منذ قمة الخرطوم، مفتوحة وفعّالة. لبنان حتى الآن لا يردّ لا سلباً ولا إيجاباً. الانطباع في دمشق، أن بعض مراكز القرار الإقليمي لا ترغب لمسار العلاقات السورية اللبنانية أن يمرّ عبر هذه القناة، التي تسمح لوزير مقرّب منها أن يزورها. تريد بيروت من وجهة نظر العاصمة السورية أن يزور السنيورة دمشق ليحصل على كل ما يريد، من دون أن يقدّم حتى جواباً شافياً لكيفية وقف الحملات الإعلامية، والسياسية عليها، وآخرها الاسبوع الماضي من قبل النائب وليد جنبلاط.

في الوقت ذاته، إن التقييم الرسمي في دمشق لوضع الأكثرية <المتذبذب> حالياً في الشارع اللبناني، لا يسمح بتقديم <وصفة سحرية للنجاح>. <الرافعة السورية>، إن صح القول، لن تأتي في هذا الوقت بالذات من <الانقسام اللبناني>، ومن المراجعة اللبنانية لكل ما جرى في العام الأخير، وقلة ما تحقق على صعيد وعود الأكثرية وآمالها.

شرط آخر، هو انتظار الحوار اللبناني نهايته، حتى لو طال دهراً، فهو الذي يحدّد ماهية المعادلة التركيبية للبنان، ويختبر إمكانية صمودها. وحينها، ربما تفتح الأبواب. وبحسب ما ينقل مصدر رسمي عن وزير الخارجية السوري وليد المعلم ل<السفير>، فإنه ما زال يكرر القول إن <ابواب دمشق مفتوحة لأخوتنا في لبنان>. يُسأل، <ماذا عن جنبلاط؟>، يجيب <نحن هنا نتحدّث عن الأخوة>.