جاء النفي الفرنسي باهتا، وإن اجتهد الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجيّة الفرنسيّة، جان باتيست ماتيي، في القول أن <لا علاقة لبلاده بالدعوات التي وجهت لحضور القمة الفرنكوفونيّة التي ستعقد في رومانيا في 26 أيلول المقبل>، باعتبار أن هذا النفي، وكأنه جاء في معرض التأكيد، بنظر فريق من اللبنانيين، كما جاء نتيجة الاتصالات التي تلقتها السفارة الفرنسيّة، وقصر الصنوبر، من جانب شخصيات، ومرجعيات صديقة، تحثها على الخروج من دائرة الصمت، والترقب، بإعلان موقف واضح من الدعوة التي وجهت الى رئيس الحكومة فؤاد السنيورة لتمثيل لبنان في القمة الفرنكوفونية، في بوخارست، وليس الى رئيس الجمهورية إميل لحود؟!. وكانت الاتصالات على خطين، إما مباشرة بين بيروت، وباريس، او في النطاق المحلي بين العديد من المرجعيات، والجهاز العامل في السفارة، وكانت تتمحور بمجملها حول التفتيش عن افضل السبل للحد من الخسائر.

ويقول مصدر متابع، إن طبيعة الاتصالات، حمّلت فرنسا سلفا مسؤولية معنوية، سواء أكانت متورطة عمليّا بتوجيه الدعوة، او لا علاقة لها بما حصل، لأنها (أي هذه الاتصالات) انطلقت من خلفية سياسيّة حول دور باريس النافذ داخل المجموعة الفرنكوفونيّة، وعلى قاعدة انه لا يمكن ان يحدث أي شيء، إلاّ بعلمها، وبعد التنسيق معها، والتفاهم على كل خطوة، يفترض ان تُخطى على هذا الصعيد. وإن رومانيا التي تحمّل اليوم مسؤولية توجيه الدعوة، ما كانت لتفعل، لو لم يكن هناك تنسيق مسبق، وبالعمق مع فرنسا، وخصوصا أن علاقاتها مع لبنان كانت تتصف بالشفافيّة، وبالحرص على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

ولا يخفى، أن البعض بدأ يتحدث، داخل كواليس ضيقة، عن <صفقة رومانيّة فرنسية> قاعدتها تسهيل باريس الطريق أمام رومانيا الفرنكوفونيّة، للانضمام الى نادي الاتحاد الاوروبي، قبل نهاية هذا العام، مقابل <التسويق> الذي تتولاه رومانيا، لافكار، ومقترحات، وشروط فرنسا الفرنكوفونيّة، مع الدول الاعضاء، وهذا ما حصل على الصعيد اللبناني بشأن توجيه الدعوة. وفيما سجّل غياب أي دور ظاهر للسفير الفرنسي برنار إيمييه، أو كبار معاونيه، للتصدي للحملة، وتدارك المضاعفات، فإن التعليمات قد وصلت الى سفيرة لبنان لدى الاونيسكو، سميرة الضاهر، بضرورة التحرك، والسعي الى الاجتماع الى الامين العام عبدو ضيوف شخصيّا، ووضعه في الصورة، وشرح العيوب، والمضاعفات التي رافقت، وترافق تصرف رومانيا الخاطئ، كما ان تعليمات مماثلة قد تبلغها السفير لدى العاصمة الرومانية، محمد الذيب، للتحرك من جانبه، بهدف تصحيح الخطأ، واحتواء الوضع قبل فوات الأوان؟!.

ويرى المصدر ان هذا التصرف، إنما يعالج جانبا من المشكلة، وهو الجانب الإجرائي المتعلق بدعوة رئيس الجمهورية، في حين الضرر المعنوي، يبقى أعمق، وأشمل، وهذا ما عكسته المواقف الصادرة عن فعاليات مسيحيّة، وتحديدا مارونيّة تتحدث عن التهميش الذي يتعرّض له مقام الرئاسة الاولى، وكأنها تحاول ان تفصل ما بين الرئاسة، والرئيس، وهي كانت، ولا تزال، تنتقد رئيس الجمهورية، وتطالبه بالتنحي؟!.

ويسجل المصدر في هذا الاطار أكثر من ملاحظة، أولاها ان بعض الذين يطالبون بتنحية الرئيس، كانوا الاكثر غيرة، والأقوى صوتا، في الدفاع عن موقع الرئاسة، ورفض أي تهميش له. أما ثانية هذه الملاحظات، فتتعلق بالحساسيّة التي أثارتها زيارة الرئيس فؤاد السنيورة الى واشنطن، والاستقبال المميّز الذي خصّه به الرئيس جورج بوش في حديقة البيت الابيض، تلك الحساسيّة قد تأججت اليوم، وعلى نطاق واسع، بعد شيوع نبأ دعوته الى تمثيل لبنان في القمة الفرنكوفونيّة. وإذا كان السفير الاميركي جيفري فيلتمان، قد تحرّك يومها، وعلى جناح السرعة، باتجاه بكركي، ليعلن أن إدارته تحترم الخصوصيّة اللبنانية، وأنها ستكون في منتهى السعادة، في ان تستقبل رئيسا جديدا للجمهورية، منتخبا في لبنان، وينتمي الى المستقبل، ويعمل من أجله، فإن السفير الفرنسي لم يحرك ساكنا، ولا يزال يتصرّف، وكأن بلاده لا علاقة لها بما يجري، وغير معنيّة بمجريات الامور، والتطورات، في حين تسود فيه قناعة شبه عامة حول المسؤولية المعنوية المترتبة على الرئاسة الفرنسيّة، ومسؤوليتها المستترة حيال كل ما جرى، ويجري على هذا الصعيد؟!. وتنظر مصادر أوروبية الى هذا المشهد من زاوية مختلفة، فتقول إن العقدة اليوم تكمن في عدم دعوة رئيس الجمهورية، فهل تعالج إذا ما وجهت اليه الدعوة، وتنتهي الامور على خير، أم ان الازمة التي رافقت الوفد اللبناني الى القمة العربية الدوريّة في الخرطوم، سوف تعيد استنساخ نفسها في قمة بوخارست الفرنكوفونيّة، ويتمثل لبنان برأسين، ورئيسين، ووفدين، ومساجلات داخل القمة بين الرئاستين الاولى، والثالثة؟. وهل العودة للضرب على وتر الحساسيات بين الرئاستين الاولى، والثالثة، هدفه فقط شحن الاجواء من جديد، بعد ميثاق الشرف الذي توصلت اليه القيادات اللبنانية حول طاولة الحوار؟، أم الهدف إعادة إثارة موضوع الرئاسة الاولى، وفتح هذا الملف من جديد بعدما أغلقه الحوار الوطني، خلال جلسة الحوار ما قبل الاخيرة؟.

وتعتقد المصادر، إذا صحّ أن هناك مسؤوليّة معنوية قد تترتب على فرنسا، بشكل او بآخر، حول موضوع الدعوة، والاشكالية التي أثيرت حولها، فهذا يعني ان الامر يتخطى العنوان الظاهر، الى ما هو مضمر، والمضمر هنا عود على بدء، أي الى تصحيح ما يعتبره الفرنسيون <بالخلل الحاصل، وضرورة إصلاحه، كي يأخذ التغيير بعده الأكبر على الساحة اللبنانية، فيكون لأول مرّة، ومنذ سنوات طويلة مجلس نيابيّ منتخب حديثاً (عام تقريبا)، وحكومة منبثقة عن الاكثرية النيابيّة، ورئيس للجمهورية يتطلع الى المستقبل، ويكون موضع ثقة غالبية اللبنانيين، إن لم يكن جميعهم، وموضع ترحيب، واحترام من قادة الدول سواء أكانت شقيقة، ام صديقة، وقادرا على إعادة الهيبة، والفخامة، للرئاسة الاولى، وأن يضطلع بمسؤولياته بثقة وجدارة، وأن يكون قائد مسيرة التغيير والاصلاح، والمساهم الاول في بناء دولة القانون والمؤسسات، وفي إقرار الورقة الاصلاحيّة، ويكون أبرز عرّابي مؤتمر الدول المانحة (بيروت 1).

وترى المصادر <ان سلة الحوافز> المتداولة على هذا الصعيد تنطلق من الآتي، اولا: إن الغيرة المفاجئة على موقع الرئاسة، والتي ظهرت في صفوف بعض القيادات المارونية، يجب، لا بل يفترض ان تدفع بقوة، باتجاه البحث جديّا عن شخصيّة تستحق ان تكون رئيسا للجمهورية، وفي هذا الظرف المصيري الدقيق الذي يجتازه لبنان، وتجتازه دول المنطقة قاطبة.

ثانيّا: إن اجتياز ما يسمى <بقطوع> المشاركة في القمة الفرنكوفونيّة، إذا ما تمّ، لا يضمن اجتياز <القطوعات> الاخرى التي تنتظر، وهناك قمة عدم الانحياز في هافانا، في ايلول المقبل، وهناك حديث في الوسط الدبلوماسي بأن الرئيس لحود الذي سيشارك في هذه القمة، يطمح الى القيام بعيد انتهاء أعمالها، بزيارة رسمية (زيارة دولة) الى كل من المكسيك، والارجنتين، الا أن السلطات الرسميّة المكسيكيّة، لا تزال تتجاهل هذا الطلب، حتى الآن، ولم ترد عليه بعد لا سلبا، ولا إيجابا، في حين ان جواب الرئيس الارجنتيني، كان أنه سيلتقي الرئيس لحود في هافانا، إن هو شاء، وعلى هامش أعمال القمة؟!.

ثالثا، والكلام للمصادر، أن الرئيس شيراك يرى من منظار حساباته الخاصة ان هذه الفرصة، قد تكون إحدى الفرص الاخيرة التي لن تتكرر مع اقتراب موعد مغادرته قصر الاليزيه، وبالتالي يريد ان ينفذ بعض ما أغدق من وعود حول لبنان السيد، الحر، المستقل، الذي يريده وفاء لذكرى استشهاد صديقه الرئيس رفيق الحريري... وتضيف المصادر <إذا كانت الأحلام عند الصغار من المستحيلات، فإنها عند الكبار، من التحديات؟!>.