يصح القول ان الأيام الطوال من العام الأخير تساوي في صعوبتها عدد سنوات عمر وليد جنبلاط في السياسة، ازداد الرجل حدة، واستوطن التعب معالم وجهه فغلب عليها.

المفارقة في خصومه الجدد انهم غالباً ما يحسبون حساب "خط الرجعة معه"، حتى أن بعضهم يتقصد مهادنته "عل وعسى".

جنبلاط اليوم الى أين؟ صيغة في التساؤل مستعارة من الزعيم الدرزي ذاته لكنها تنطبق عليه بعد أن بلغت مواقفه حداً أحرج حتى بعض حلفائه وجعلته مستبعداً عن أية تسوية ممكنة محلياً أو اقليمياً.

أما علاقته مع الحلفاء فهي ليست واضحة أحياناً وتقوم على الاختلاف في الموقف أحياناً أخرى. بات جنبلاط مقتنعاً اليوم "ان صوته العالي يحميه" من خصمه السوري وفي نظره ان العودة مع هذا الخصم الى الوراء "باتت مستحيلة". ويجد لمواقفه هذه تبريراً يتحدث عنه أحد المقربين منه قائلاً: "حين انسحب السوريون وكان جنبلاط حينها في الخارج، اتصل بنواب كتلته طالباً اليهم الحديث عن تضحيات الجيش السوري في لبنان والطائف على أنه المرجعية الأساسية، تجاوزنا في حينه هجوم بشار الأسد على كمال جنبلاط وكنا نتطلع الى صفحة جديدة في العلاقات بين لبنان وسورية لكن ماذا حصل؟ استمرت الاغتيالات وكان اغتيال جبران تويني النقطة الفصل التي أدرك جنبلاط معها "صعوبة أن يوقف النظام السوري معركته". وهو الذي يعتبر أن أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله أكثر من يدرك أن النظام السوري رفض علاقات جديدة مع لبنان كما يدرك تماماً تفاصيل العلاقة مع سورية ومعه كان الاتفاق بعد الانسحاب السوري أن "تكون سورية في سورية ولبنان في لبنان ونحن نصنع عروبة لبنان". وفي تبريره لمقولة ان العلاقة مع سورية بلغت نقطة اللاعودة يقول مصدر اشتراكي مقرب من جنبلاط: "ان تجربة النظام السوري تاريخياً اثبتت انه لا يغفر ولا ينسى وهو لن ينسى الطريقة التي أخرج فيها من لبنان، وهو نظام يهادن ليقتل لا من أجل تسوية وأي خطوة تراجع الى الوراء تعني اعادة تنشيط لآلة القتل".

أما بالنسبة الى خصومته المستجدة لحزب الله فتبريرها موجود في اصرار الأخير على التحالف مع سورية، وخطوة تعليق وزراء الحزب لعضويتهم في الحكومة كانت النقطة التي استفزت جنبلاط وزادت من حدة هجومه وصولاً الى اصراره على المس "بقدسية سلاحه". هذا السلاح الذي بات يعتبره جنبلاط "جزءاً" من مشروع سياسي وأداة لمشروع ايراني سوري" وان حزب الله "وضع سلاحه في موقع حرج جداً نتيجة تحالفاته".

واذا كانت العودة الى الوراء مع سورية مستحيلة وغير ممكنة فان جنبلاط ومن معه يبدون حرصاً على نقطة العودة الى العلاقة مع حزب الله لكن قراراً مشابهاً هو في يد حزب الله "الذي يقرر أولوية التفاهم مع النظام السوري على حساب لبنان أم مع النظام اللبناني".

أما الكنيسة فيبدي حرصاً على العلاقة معها وهو لذلك لا يتوانى عن توضيح مواقفه باستمرار أمامها ولو انه لم يحصد مرة موقفاً داعماً مباشرة "لحرص البطريرك على عدم دعم طرف على حساب طرف آخر".

وفي تفاصيل اتصالاته التي يجريها الوسطاء مع الجنرال ميشال عون فان حصيلة هذه الاتصالات "غالباً ما تكون ايجابية في الجلسات المغلقة غير أن الخطاب السياسي لعون سرعان ما يكون مختلفاً" وفي محصلة ما يجري "ان النقاشات المشتركة توصلنا مع عون الى موقف مشترك يتبدد في خطابه السياسي العلني".

ولا يفوت الاشتراكي الجنبلاطي الاشارة الى أنه أدخل في حساباته تمايز عون عن 14 آذار منذ عودة الأخير، وكانت مزعجة جداً له اللقاءات التي حصلت في باريس مع كريم بقرادوني والنائب السابق اميل اميل لحود لكنه لا يزال يتساءل عن مغزى قيادة عون للمسيحيين "عكس خياراتهم التاريخية".

وبموازاة هذه النظرة الى غير حلفائه فان في سرده لعلاقته مع حلفائه يظهر تمايزاً مبرره "أن 14 آذار ليست حزباً بل تكتل سياسي".

لا يتفق مع سعد الحريري والتيار الذي يرأسه على كل شيء لكنه لا يختلف معه على العناوين السياسية الكبرى. وليد جنبلاط اليوم "القامة الأبرز في 14 آذار" و"الأكثر وضوحاً في مواقفه ومواقفه كفيلة بقلب الأمور في السياسة سلباً أو ايجاباً لكن الى أين"؟

الاجابة يتولاها من كان الأقرب اليه فيقول: "صمود من غير مهادنة" ويتوقع جنبلاط "ان الشراسة ستزداد كلما تقدمنا من المحكمة الدولية، المحكمة قائمة لا شك وبشار الأسد سيدعى الى المحكمة والوضع ليس مطمئناً للسوريين كما يحاولون تصويره والتزامهم الصمت ازاء تقرير براميرتس خير دليل على ذلك".

ماذا عن الوساطة العربية؟ شرطها الجنبلاطي أن يكون أساسها لبناني وهذا فحوى ما أبلغه جنبلاط الى المبعوث السوداني سابقاً حين قال: "تفضلوا وأمنوا آلية تطبيقية لقرارات الحوار اللبنانية". هي اذاً المرحلة الفصل في حياة وليد جنبلاط السياسية، والخطاب الذي القاه في 14 شباط هو خطاب عمره الذي أفرغ فيه قهر 30 عاماً فقال كلمته ومشى لكن أيضاً ماذا بعد؟