الانتظار أسوأ واقع في السياسة. يضفي على المشهد العام شيئا من الضبابية والارباك ينعكس بشكل أساسي على من هو في موقع المسؤولية، أي على الحكومة والأكثرية التي تدعمها. ناهيك عن حالة <الانتظار الدائم> التي يعيشها رئيس الجمهورية القابع في بعبدا...

ورغم تمسكها بالثوابت الوطنية والسيادية، الا ان حكومة فؤاد السنيورة تبدو حائرة بين ضرورة التقدم على طريق اعادة بناء الدولة بعد التحرر من الوصاية السورية و<الثقالات> التي ترخي عليها ب<وزنها> المذهبي والفئوي، والتي لا يخلو بعضها من الديماغوجية والانتهازية. كما ان تطورات الوضع الاقليمي، الذي بات مرتبطا الى حد بعيد بما ستؤول اليه المفاوضات المرتقبة بين الولايات المتحدة وايران، ينذر بعودة لبنان الى ساحة للتجاذبات او <مادة> للتبادل على طاولة التفاوض.

وهذا ما تراهن عليه سوريا التي تحاول الاستفادة من <الوقت الضائع> الناتج عن حالة الانتظار هذه. وهي، بحسب مصادر مطلعة على توجهات القيادة السورية، ليست مستعجلة من أمرها ولم تلغ من حساباتها استعادة دورها كوكيل اقليمي تحتاجه واشنطن نفسها ل<موازنة> النفوذ الايراني في العراق، وبعد ان تكون الادارة الاميركية قد استنفدت <استعمال> الأكثرية لممارسة الضغوط على النظام السوري.

ووفق هذه الرؤية، تم تأجيل قمة شرم الشيخ التي كانت مقررة أمس الأول بين الرئيسين حسني مبارك وبشار الأسد. وكذلك، لم تبد دمشق حماسة لاستقبال السنيورة بعكس ما يشاع، وسوف لن تستقبله في المدى المنظور. وهي لم تكن رافضة بالمبدأ، ولكنها عكس ما قيل لم تحدد موعدا للزيارة. وتفيد هذه المصادر ان زيارة نبيه بري تمت بناء على رغبة كان قد عبّر عنها منذ فترة طويلة. وقد ارادت القيادة السورية الاطلاع على وجهة نظر رئيس المجلس بعد ان أطلق مبادرة <طاولة الحوار>، وتصوره لحقيقة مواقف الأطراف الأخرى. وتعزو المصادر نفسها التصرف السوري الى انه يعبر جزئيا عن عدم رضا تجاه بري في المرحلة الماضية.

أمام هذه الصورة الاقليمية والداخلية الاقليمية، راحت أطراف وقوى داخل وخارج الأكثرية النيابية تعزز من مواقفها المذهبية على وقع المناورات والتجاذبات السياسية، والمزايدات من هنا وهناك، بدءا من مسألة بعض التعيينات في الادارة وفي الاسلاك الأمنية، مرورا بالكتل والجبهات التي تتشكل من حلفاء النظام السوري، انتهاء بالضجة التي اثيرت حول قرار استبعاد لحود عن مؤتمر الفرنكوفونية المزمع عقده في رومانيا، في أيلول المقبل.

ولا شك ان اللغط الذي أثارته المعلومات عن تعيينات واحالات على الاستيداع في بعض وظائف الفئة الاولى ذات طابع مذهبي من لون معين، ومن محاولة للاستئثار بحصة الأكثرية في بعض الأجهزة الأمنية، قد فتح برأي مصادر في <قوى 14 آذار> شهية المعارضين وبعض الأكثرية من المسيحيين على بازار المزايدات المذهبية والمطالبة بحقوق الطائفة المهضومة.

وتعتبر المصادر ان البازار افتتحه كريم بقرادوني، <الذي يضع كعادته رجلا في الفلاحة وأخرى في البور>، والذي يقرع طبول الحرب <دفاعا عن شعور الغبن الذي ينتاب المسيحيين>، واضعا قيادة حزبه العليا في موقف حرج. ثم تبعه من تبعه، في مناورة مكشوفة بدأتها <قوى 8 آذار> و<الجبهات السورية المستحدثة> في الهجوم على سمير جعجع و<القوات اللبنانية>، الهدف منها تحريض الشارع المسيحي على حلفاء السنة والدروز للأطراف المسيحية ضمن <قوى 14 آذار>.

وتلفت هذه المصادر الى ان الحملة المتجددة للدفاع عن اميل لحود بحجة الحفاظ على موقع الرئاسة تدخل ضمن السياق نفسه، متسائلة عن موقف بعض الأطراف والشخصيات التي وقفت ضد التمديد وخاضت معركة اسقاط رئيس الجمهورية. وتقول انه اذا كان المقصود الدفاع عن موقع الرئاسة فان بكركي قد عبّرت أكثر من مرة عن التهميش اللاحق بالرئاسة ودعت لحود الى تحمل مسؤوليته أمام الله والتاريخ. وتعزو المصادر نفسها هذه المواقف الى سعي البعض للحاق بميشال عون وتبنّي بعض شعاراته اعتقادا منها ان ذلك يرضي الشارع المسيحي. فيما المطلوب السعي الى تعزيز دور المسيحيين في مشروع بناء الدولة، وليس في تغليب نهج الحصص المذهبية. ولكن هذه البلبلة لا تقتصر على الجبهة المسيحية، بل ان قيادة <تيار المستقبل> تخضع على ما يبدو لضغوط <ارتدادية> لدفعها الى التراجع عن مواقفها وشعاراتها الوطنية والسيادية، والانكفاء الى مواقع طائفية سنية طالما ان الجميع يعزز من تحصنه وراء موقعه المذهبي. فهل على سعد الحريري ان يكون <ملكيا أكثر من الملك>؟ الا ان مصادر في <تيار المستقبل> نفت وجود مثل هذه الضغوط، وأكدت ان <التيار> ورئسيه سيعزز ويوسع دائرة أفقه السياسي اللبناني، على خطى سياسة ومواقف الرئيس الشهيد رفيق الحريري <الذي لم يكن يوما زعيما سنيا أو اسلاميا بل جسد سياسة الاعتدال اللبناني>. وأفادت المصادر ان خطوات جديدة ستظهر لاحقا تعزيزا لنهج الانفتاح الذي يمارسه الحريري.

من جهة أخرى، رحبت بعض الأوساط السنية والمسيحية بمبادرة الشيخ عبد الأمير قبلان لعقد قمة روحية للتخفيف من جو الاحتقان المذهبي. الا انها رأت ان نجاح مثل هذه القمة يتطلب بلورة مواقف تنطلق من أرضية مشتركة أساسها، ليس التخفيف من التجييش المذهبي فقط، وانما التأكيد على ضرورة تطبيق <اتفاق الطائف> الذي يعزز مسألة <العيش المشترك>، ويضع أسس بناء دولة المؤسسات والقانون التي تشكل الضمانه الوحيدة للطوائف وللبنانيين على السواء. وخلافا لذلك، لا ترى أي فائدة في قمة لالتقاط <صورة بروتوكولية تذكارية> لا تقدم ولا تؤخر... وهكذا، يبدو ان <بابل> المذاهب هو الوحيد الذي يسعى لملء <الانتظار> في ظل عجز الطبقة السياسية!