إلى عقود قليلة خلت، كان يُضرب المثل بالنخبة السياسيّة في السودان، فيقال إن سودانيّاً قد يكون شيوعياً وآخر من المهديين أو الختميين أو من "الإخوان المسلمين"، لكن علاقة شخصيّة وعائليّة وثيقة تجمع بينهما. بيد أن هذا النمط من الصلات ولّى في العالم العربيّ، أو في عمومه على الأقلّ. فنحن نادراً ما نسمع في يومنا هذا عن سياسيّ ربطه خلاف بسياسيّ آخر من دون أن يؤثّر على العلاقات الشخصيّة بينهما، فيُنهيها تماماً ويقلبها إلى عداء مُطلق مستحكم ترافقه اتهامات تتجاوز العام إلى الشخصيّ والأخلاقيّ.

وهو تحوّل انحداريّ نجَم، في أغلب الظنّ، عن تغيّرات ثلاثة متّصلة ومتبادلة التأثير في ما بينها:

فأولاً، ابتعد بنا الزمن عن الحقبة الاستعماريّة التي نقلت إلينا، ولو مشوّهةً ومُغرضةً أحياناً، تجربة برلماناتها وأحزابها، حيث يجتمع تحت قبّة واحدة الخلاف السياسيّ والودّ الشخصيّ من دون أن يتعارضا.

وثانياً، تراجع دور الجامعات والعائلات التقليديّة في إنتاج الطاقم السياسيّ لصالح الثكنات العسكريّة والأحزاب الراديكاليّة. وهذه الدمقرطة التي يشير إليها التحوّل المذكور كانت لتكون مفيدة وسليمة لولا حصولها بطريقة قسريّة واستبداديّة على ما شهدنا في الحالات جميعها تقريباً، بحيث طغى غثها الشعبويّ على سمينها الشعبيّ. وثالثاً، وهو التغيّر الأهمّ، احتلّ التخوين، ومن بعده التكفير، دوراً في السياسة لم يكن لهما من قبل. وغالباً ما ترافق هذا المستجدّ الخطر مع اضطهاد للمعارض والمختلف يطال الرزق والجسد فلا يترك، من ثمّ، متّسعاً لعلاقة شخصيّة بين من صارا جلاّداً وضحيّة إلا العداء المطلق.

أما مناسبة الكلام هذا فصدور كتاب السياسي العراقي الراحل محمد حديد "مذكراتي: الصراع من أجل الديمقراطيّة في العراق" عن "دار الساقي" في لندن. ذاك أن من يسترجع القسوة السياسيّة التي يعيشها العراق اليوم، أو التي عاشها في عهد صدّام حسين وحزب البعث الآفل، وقد بلغت في الحالتين ذرىً فلكيّة، يستغرب الصفحات التي تركها لنا محمد حديد. فالرجل كان واحداً من الخصوم السياسيين الكثيرين لنوري السعيد، القطب الأبرز والأشدّ تأثيراً طوال العهد الملكيّ المديد ما بين ثلاثينيات القرن الماضي وأواخر خمسينياته. الا أن حديد كان يحظى بـ"تقدير نوري السعيد" في معزل عن الخصومة السياسيّة بينهما.

والشيء نفسه يمكن قوله عن علاقته برفيقه وصديقه الشخصي كامل الجادرجي. فالاثنان تعاونا طويلاً في تأسيس "جماعة الأهالي" في الثلاثينيات، هي المتأثّرة بالفابيين البريطانيين من القائلين بلون معتدل من الاشتراكيّة عبّر عنه حزب العمّال. ثم تعاون الجادرجي وحديد في قيادة "الحزب الوطنيّ الديمقراطيّ" الذي تفرّع عن "الأهالي". لكنْ بعد انقلاب 14 يوليو 1958 الجمهوريّ وتولّي عبدالكريم قاسم الرئاسة، حيث اختير حديد وزيراً لماليّة العهد الجديد، ذرَّ الخلاف قرنه بين الرجلين. ففي 1960، وكما يروي التعريف بمحمد حديد الذي كتبه المحقّق نجدة فتحي صفوة: "حدث انشقاق في صفوف الحزب الوطني الديمقراطي، واختلف محمد حديد، للمرّة الأولى منذ نحو ثلاثين عاماً، مع زميل النضال كامل الجادرجي الذي كان يصرّ على سحب أعضاء الحزب من الحكومة.

ورأى الجادرجي أن يوقف الحزب تعاونه مع [الرئيس] عبدالكريم قاسم، في حين رأى محمد حديد أن الجمهوريّة، في ذلك الوقت، كانت تسير بخطى حثيثة وواسعة نحو تحقيق المزيد من الأهداف والأماني الوطنيّة، وأن الديمقراطيّة لا يمكن أن تتحقّق بين ليلة وضحاها". وفي معزل عمن كان منهما على حق ومَن لم يكن، فقد تأدّت عن خلافهما استقالة محمد حديد من الحزب الوطنيّ الديمقراطيّ وتأسيسه حزباً جديداً منافساً باسم "الحزب الوطنيّ التقدميّ" يرأسه هو نفسه. غير أن التنافس الحزبيّ لم يحلْ دون استمرار العلاقة الحميمة بين الزعيمين العراقيين. فقد "احتفظ الرجلان بصداقتهما، واستمرّت علاقتهما على الصعيد الشخصيّ حضاريّة تتسم بالودّ والاحترام المتبادل. وزار كامل الجادرجي محمد حديد في السجن خلال اعتقاله بعد انقلاب 8 فبراير 1963 الذي أطاح حكم عبدالكريم قاسم".

وكانت الأفكار تلعب في الخيارات السياسيّة دوراً لم تعد تلعبه مع النخب الجديدة، العسكريّة والعقائديّة، التي بات يهمّ معظمَ رموزها التمسّكُ بالسلطة وتطويعها لخدمة العائلة والورثة والأتباع. فعلى رغم انتماء محمد حديد إلى أسرة ثريّة من وجهاء مدينة الموصل، لم يمنعه انتماؤه هذا من اعتناقه "الأفكار الاشتراكيّة التقدميّة المعتدلة التي وجدها ضروريّة لرفع مستوى شعبه".

كذلك كان التعلّم حاضراً في معايير الحياة السياسيّة بنسبة أعلى بلا قياس مما بات عليه اليوم، وذلك على رغم التقدّم الذي طرأ منذ ذاك الحين وما استجرّه من توسّع في التعليم وفرصه. فإذا صحّ أننا نقع الآن في بلدان كثيرة على حملة شهادات عليا من بعض كبريات الجامعات، بقي أن هؤلاء، خصوصاً في الأنظمة الديكتاتوريّة وشبه الديكتاتوريّة، يبقون مجرّد ملحقين بالزعيم الفرد أو الحزب الحاكم، فلا تظهر أيّة فرصة لتظهير الفارق بين أداء حكوميّ تسنده المعرفة وآخر لا يستند إليها. وبدوره، درس حديد، في وقت يرقى إلى عشرينيات القرن الماضي الاقتصاد، فتخرّج من "مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسيّة" (LSE) عام 1931. وأهم من ذلك أنه درس على أيدي أعلام من عيار رئيس الحكومة العمّاليّ اللاحق كليمنت أتلي، ووزير الماليّة اللاحق هيو دلتن، وعالم السياسة المعروف هارولد لاسكي، والاقتصاديّ الشهير اللورد مينارد كينز الذي غدت نظريّاته، بعد الحرب العالميّة الثانية، أشبه بالوصفة العلاجيّة المتفّق عليها لمواجهة معضلات الاقتصادات الغربيّة.

وكانت الدراسة على أمثال هؤلاء شهادةً لصاحبها ولجدارته في دخول الشأن العام والتعامل معه، قبل أن تغدو، في زمننا الراهن، شهادةً ضدّه تؤدّي إلى الاشتباه به وتخفض من مؤهّلاته وجدارته.

وعندما قامت حكومة عسكريّة في العراق عام 1952، على أثر ما عُرف بـ"انتفاضة نوفمبر"، كان أحد أشكال مقاومتها اتصال محمد حديد ببعض الصحف والمجلات البريطانيّة كـ"الإيكونوميست" و"التريبيون" و"نيو ستايتسمان"، وبصحف كـ"ذي تايمز" و"مانشستر غارديان"، وبسياسيين كأنيورين بيفان وغيره. وكان القصد من وراء الاتصال بهم والكتابة في صحفهم التنبيه إلى ما يعانيه العراق آنذاك وحمل بريطانيا، من ثم، على تأييد الديمقراطيّة فيه ودفع حظوظها إلى الأمام. بيد أن أحداً لم يتهمه بالعمالة لـ"الأسياد الاستعماريين"، كما لم يتمّ تبخيس اهتمامه بالرأي العام الغربيّ الأكثر نفوذاً يومذاك، أي البريطانيّ، أو تصوير سلوكه كعلامة "انبهار بالغرب" يستحقّ الرجم عليها.

والحال أن تدهور النخبة السياسيّة العربيّة عموماً من سويّة كالتي مثّلها محمد حديد، إلى ما نرى اليوم، تمّ على دفعات. فإذا أخذنا العراق مثلاً، وهو بلد محمد حديد، لاحظنا أن الطبقة السياسية في العهد الملكيّ ضمّت ثلاث شرائح: كبار ضبّاط العهد الفيصلي وكبار ملاّكي الأراضي (وهما شريحتان متقاطعتان متداخلتان) والمتعلّمين. وسنة بعد سنة كانت الفئتان الأوليان تختاران لتمثيلهما في الحياة السياسيّة أبناءهما ممن درسوا في المدارس والجامعات. كذلك كان توسّع التعليم يضيف، بوتيرة بطيئة وطفيفة، متعلّمين يتحدّرون من طبقات وسطى إلى محفل السياسة. وقصارى القول إن وجهةً تدرجيّة كانت تشقّ طريقها معزّزةً موقع المتعلّمين في إدارة الشأن العام. أما بعد الانقلاب الجمهوري في 1958، فتزايد ثقل العسكريين وغدا تمثيل المتعلّمين مرهوناً حكماً بمدى التحاقهم بقرار الديكتاتوريّة العسكريّة لعبدالكريم قاسم.

وهو اتجاه تفاقم لاحقاً مع حزب البعث الذي راح ينظر إلى خريجي الجامعات الغربيّة نظرة مشوبة بالاتهام والتشكيك. وبعد أن حلّ الحزب محل الزعامة الديكتاتوريّة، ثم حلّ صدام حسين ولفيفه التكريتي محل الحزب الذي بقيت له سلطة إسميّة وشكليّة، ضاق أكثر فأكثر ذاك الحيّز المتروك للمتعلّمين، بينما تردّى أكثر فأكثر موقعهم وتعاظمت مصاعب الإقرار بدور عام لهم تبعاً لاعتماد معايير إيديولوجيّة صارمة.

وبعض ما انتهى إليه العراق، وغير العراق من بلدان عربيّة، وثيق الصلة بهذا التحوّل الكارثيّ.