بعد تقديم جهاد الزين ومساهمات زياد بارود وتوفيق هندي وكريم بقرادوني وجوزف ابو خليل وشكيب قرطباوي وعلي فياض وزياد ماجد وبطرس لبكي وسجعان القزي وطلال عتريسي ورغيد الصلح وموريس نهرا اليوم مساهمة جورج قرم:

مقولة الإحباط المسيحي هي من المفاهيم الملتبسة التي يخترعها الإعلام السياسي اللبناني بعبقرية خاصة والتي تؤثر تأثيراً بليغاً في نفوس الناس وتصرفاتهم بسبب كثرة ترداد هذا أو ذاك من تلك المفاهيم. ولنتذكر التداول المكثّف قبل الحرب لمقولة الشعور الإسلامي بالغبن والشعور المسيحي بالخوف. واذا لم يعد احد يتكلم عن "الغبن" لدى المسلمين لاسباب سنوضحها في ما بعد، فإن "الخوف" المسيحي ما قبل الحرب تحوّل "إحباطاً" بعده.

والحقيقة أن الالتباس المريع في استعمال مقولة تشير الى انتماء طائفي معيّن هو الايحاء بأن الحالة الموصوفة تسري على جميع أبناء الطائفة المعينة دون سواهم من أبناء الطوائف الأخرى. وهذه لعبة قديمة للغاية في لبنان بحيث يتم حبس الشخص في طائفته، بل مجموعته الدينية، من مسلمين ومسيحيين، ومن ثم يُنظر إلى جميع مشاكل لبنان عبر المنظار الطائفي بغض النظر عن طبيعة المشكلة وعدم ارتباطها بقضية الهوية المذهبية أو الدينية.

والحقيقة أن مشاكل لبنان، منذ نشأته وتطوره في النظام الدولي في القرن التاسع عشر بصيغ مختلفة (نظام القائمقاميتين، نظام المتصرفية، الإنتداب الفرنسي، الجمهورية المستقلة الطائفية الطابع والخاضعة لكل التجاذبات الإقليمية عبر نظامها الطائفي)، هي أن النظام السياسي بطابعه الطائفي يحول دون النظر إلى تعقيد التحديات الدنيوية والزمنية الطابع التي يواجهها من خارج منظار القوقعة الطائفية العامة.

وإذا اردنا أن نتحدث عن إحباط، فهناك أنواع مختلفة من الإحباط تصيب اللبنانيين من طوائف مختلفة ولاسباب متباينة بل متناقضة في بعض الأحيان. ليس هنا من مجال لسرد أنواع الإحباط التي عانى منها ولا يزال العديد من اللبنانيين منذ دخول لبنان في الفتنة الكبرى عام 1975 بسبب النظرة الخاطئة إلى القضية الفلسطينية وتحليل الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان من المنظار الطائفي المنحرف.

ولا بد هنا من ذكر "الإحباط المسيحي" بعد خروج الجنرال عون من لبنان عام 1990 وفشل تجربته في طرد القوات السورية من لبنان، وبعد ذلك تهميش الفئات السياسية التقليدية (كتائب وقوات لبنانية)، وفشل سوريا في خلق قيادة مسيحية بديلة، هذا بالإضافة إلى قمع النظام اللبناني تظاهرات الطلاب المسيحيين المنتمين الى التيار العوني أو الى القوات اللبنانية لاسباب يصعب فهمها. أما اليوم، وبعد خروج القوات السورية من لبنان وإنهاء سيطرتها عليه بعد أن سحبت الدول الغربية الكبرى الإنتداب الذي كانت منحته اليها، فهل من داع ٍ للتحدث عن"إحباط" مسيحي؟

في تحليل أكثر شمولاً يسعى الى سبر غور التغييرات البنيوية التي حصلت في لبنان وفي الإطار الإقليمي، فإن الشعور بالاحباط يعود الى شعور النخبة المسيحية بأنها فقدت دورها التاريخي الذي كان يعود الى لبنان الاستقلال ولبنان الميثاق الوطني حيث تمّ تصوير لبنان على أنه الجسر بين الشرق والغرب، بجناحيه الإسلامي والمسيحي، وأن دوره المحتـّم هو أن يكون همزة وصل بين حضارة الغرب العلمية والتقنية والمادية من جهة وحضارة الشرق الروحية والمبنية على قيم ما قبل الحداثة، العائلية والمذهبية والدينية، من جهة أخرى. وفي هذا الدور المتخيّل كان المسيحيون اللبنانيون يحتلون مركزاً مرموقاً الى جانب زملائهم من رجال الفكر والثقافة المسلمين.

وقد جاءت التطورات العملاقة التي شهدتها الساحة الدولية في الثلاثين سنة الأخيرة لتسحب من لبنان هذا الدور، خاصة بعد دخوله حرب شعواء عام 1975. فالعالم لم يعد منقسماً بين شرق وغرب بالمفهوم العلماني الدنيوي، بل أصبح مقسوماً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي الى عالم غربي منتصر، أصبح يحدد هويته بأنها "يهودية – مسيحية" (وليس كما قبل "إغريقية - رومانية") في مواجهة عالم إسلامي يصدّر العنف والارهاب ولا يقبل بتعميم القيم الديموقراطية الحديثة بأعين الدول الغربية. وأصبحت القضية في أعين الغرب هي فرض وجود إسرائيل على المنطقة على جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية والتربوية لكي تصبح هي دولة الجسر وهمزة الوصل بين الشرق والغرب بدل لبنان الذي فقد دوره التاريخي كوسيط ثقافي وفكري بين الشرق والغرب الذي كان اكتسبه منذ القرن التاسع عشر. وقد أصبح المسلمون في لبنان ما بعد الحرب العنصر المهم في أعين الدول الغربية، سواء بالمكوّن السني المرتبط بالمملكة العربية السعودية أو الشيعي المرتبط بالمحور الإيراني - السوري (القائم منذ عام 1980). لذلك شعر المسيحيون، سواء بشكل واعٍ أو لا واعٍ، بفقدان دورهم في جيوسياسية المنطقة وكذلك في الأدبيات المتفرعة عنها، مما قاد الى هذا الشعور بالإحباط المسيحي الذي استولى على جزء واسع من الطوائف المسيحية.

غير أن ذلك لا يمنع القوى المسيحية نفسها التي كانت تشكو من تهميشها بأن ترى في رفيق الحريري، الزعيم المسلم المتصاعد النفوذ، بطلها الجديد وذلك لسببين رئيسيين. الأول نابع من السياسات الإعمارية التي بعثت الروح في مشروع جعل لبنان مونت كارلو أغنياء الشرق، وهو مشروع لطالما كانت القوى المسيحية الثرية في البلاد تسعى الى تحقيقه قبل الحرب، لأسباب اقتصادية، انما أيضاً أملاً بها باخراج لبنان من صراعات المنطقة؛ والثاني هو روابط رفيق الحريري القوية بفرنسا، حامية المسيحيين التقليدية، وسياساته الموالية للدول الغربية إجمالاً. لهذين السببين كانت هذه القوى المسيحية تساند رئيس الوزراء السابق مساندة مطلقة في مشاريعه وسياساته وتقبل بأن يحتل هو الحيز السياسي الأكبر والرئيسي في البلاد ولو أتى ذلك على حساب الوجود المسيحي السياسي بشكله التقليدي، وبشكل خاص دور رئيس الجمهورية الماروني.

والحقيقة أن ما يسمى بـ"الوضع المسيحي" معقد للغاية، وهو ليس وضعاً شمولياً يطغى على جميع أبناء الطائفة، خاصة بعد خروج القوات السورية وتغيير الأوضاع الداخلية وعودة لبنان الى الساحة الإقليمية ليتحمل التجاذبات بين القوى المتصارعة للهيمنة في المنطقة. ويصعب في نظرنا أن نصف الحالة المسيحية اليوم بحالة إحباط سياسي محلي كما كان الحال ما بين 1990 و 2004، وذلك لأسباب عديدة، ومنها بشكل خاص عودة الجنرال ميشال عون من المنفى وبروزه كقوة رئيسية في اللعبة الداخلية، وهي قوة استقلت عن قوى 14 آذار التي تكرس فيها تراث الرئيس الحريري.

والمفارقة هنا هي إن القوى المسيحية التقليدية الاخرى (كتائب، قوات، قرنة شهوان)، بدلاً من أن تطمئن الى انجازات التيار العوني، أصبحت تتمسك بارتباطها بقوى 14 آذار دون أن تسعى الى الحصول الى قرار مستقل. والحقيقة أن ظاهرة تنامي "تيار الإصلاح والتغيير" هي ظاهرة لافتة للانتباه، تناقض تماماً مقولة الإحباط المسيحي، خاصة أن خطاب التيار اصبح خطاباً يخلو من الطائفية المذهبية التقليدية ويُخرج عدداً كبيراً من المسيحيين من المواقف الوسواسية المتحجرة (الخوف، الولاء المطلق للدول الغربية سياسياً، العداء المتواصل الطابع للمحيط العربي والإسلامي الممانع للهيمنة الغربية). وهذا ما تأكد بوثيقة التفاهم التي تمّ وضعها بين التيار العوني وحزب اللّه، مع الاشارة الى أن حدة التوتر الذي ساد في البلاد بعد سلسلة الاغتيالات الغاشمة على رئيس الوزراء السابق والشخصيات الأخرى قد تراجعت وربما بفضل هذا التعاون من بين أسباب أخرى. غير أن المدرسة العونية الجديدة تصطدم هنا بالقوى المسيحية الأخرى التي لا تزال تلتحق بتيار المستقبل والحزب الاشتراكي، ربما لأنها ترى في هذه القوى ما يؤمن عودة لبنان الى المعسكر الغربي وإخراجه من التجاذبات الإقليمية وتحقيق حلم جعل لبنان مونت كارلو للأثرياء العرب بغض النظر عن استمرار، بل تفاقم الصراع على الهيمنة في المنطقة ومواصلة إسرائيل سياساتها العدوانية بمساندة الولايات المتحدة.

وإذا كان لا بد من التحدث عن الإحباط، ليس بالنسبة للمسيحيين فقط، إنما لفئات عديدة من اللبنانيين، فيمكن أن نسرد خيبات الأمل المختلفة الآتية:

خيبة أمل الجمهور العلماني، وهو أكبر عدداً ممّا نتصّوره لأن الاحتكار الإعلامي الطائفي الطابع على الساحة السياسية يحول دون رؤيته وامكان استنفاره، وهو جمهور يحلم ويناضل منذ عقود طويلة للقضاء على الأوجه الطائفية البغيضة للنظام السياسي اللبناني.

خيبة أمل العنصر الشاب، من كل الطوائف، في امكان إيجاد فرص العمل اللائقة نسبة إلى كفاءاتهم وقدراتهم، مما يسبب هجرة ادمغة خطيرة، ذلك أن البلاد بحاجة ماسة إلى إبقاء كفاءاتها البشرية في الوطن لإطلاق نهضة تنموية شاملة ومتوازنة مناطقياً وقطاعياً، يقفز من خلالها لبنان إلى مرتبة دول مماثلة له مثل قبرص ومالطا وسنغافورة وإيرلندا.

خيبة الأمل، لدى معظم اللبنانيين بقادتهم السياسيين وتصرفاتهم، سواء كانت البلاد تحت هيمنة خارجية شرقية أم غربية أو كانت البلاد في وضع مستقل نسبياً أو في وضع انتقالي.

خيبة أمل المقاومة وأنصارها ممّا تراه من قلّة وفاء بعض القوى السياسية لها والرغبة الجارحة لدى البعض في التخلص منها قبل أن يستتب الأمن في المنطقة وأن تتحول إسرائيل إلى دولة مسالمة تحترم جيرانها وعلى رأسهم الفلسطينيون واللبنانيون والسوريون.

خيبة أمل جميع الفقراء في البلاد، في المدن أو في الأرياف، الذين يقفون عاجزين عن تأمين لقمة العيش أمام البذخ العام والحياة الفخمة المخملية.

خيبة الأمل خارج بيروت الإدارية من الحصول على الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه بشكل متواصل رغم كل الإنفاق الإعماري وتراكم المديونية الخارقة للخزينة. هذه جردة بسيطة من أنواع الإحباط التي تصيب المجتمع اللبناني عبر طوائفه، والتي لا تقل معالجتها أهمية عن معالجة الإحباط المسيحي ذي الأوجه المتنوعة والمعقدة كما ذكرنا سابقاً، والذي يجب إدراجه ضمن المشكلة العامة الرئيسية التي نعاني منها كلبنانيين، منذ أن فقد لبنان دوره التقليدي كجسر بين الشرق والغرب وكطليعة الحداثة والحرية المبدعة فكرياً وأدبياً في الشرق العربي.

ولو أراد لبنان أن يستعيد دوراً مشابهاً للدور السابق ومتكيفاً بالظروف الجديدة التي نعيش فيها، عليه أن يستنفر قدراته الفكرية ويخرجها من اللعبة الطائفية البغيضة المرتبطة بشبكة المصالح الخارجية ليعمل من أجل إرساء دعائم نهضة عربية ثانية كما يدعو اليها فيلسوفنا السياسي الكبير الدكتور ناصيف نصّار وهو أيضاً يدعو إلى التحرر من الطائفية لتحرير طاقات الإنسان اللبناني والعربي(1).

هذا حلم، وحلم كبير، يجب ألا نيأس أمام ضخامة العقبات التي تعترض تحقيقه، وألا نسمح بأن يهوي هذا الحلم الكبير إلى زواريب الحياة الطائفية اللبنانية وزواريب التجاذبات الإقليمية والحرب الباردة الجديدة التي نعيشها في المنطقة تحت غطاء نظرية حرب الحضارات. بل علينا في لبنان أن نفضح هذا النمط المرضي في العلاقة بين الشرق والغرب الذي يعيد انتاج العلاقات غير المتكافئة التي أدت في الماضي الى الحروب الاستعمارية ومن ثم حروب إزالة الاستعمار وأفرزت اليوم حرباً باردة جديدة وإنزال قوات أميركية في المنطقة بكثافة، وإكمال إسرائيل سيطرتها واستيطانها على ما تبقى من الأراضي الفلسطينية.

انما هذا يتطلب الخروج من حالات الاحباط للإقدام على خلق حالات الريادة والابداع الفكري والتنمية الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة للإستفادة من قدراتنا البشرية وإمكاناتنا الإنتاجية.