معاريف

موشيه تسيمرمن

يُختبر الجيش وفق قدرته في الدفاع عن دولته، سواء عبر قدرته الردعية التي تمنع حصول نشاط عسكري من قبل الطرف المعادي خشية الرد، أو عبر استخدام الوسائل التي في حوزته من أجل منع المس بمواطني الدولة، وهو المسؤول عن حياتهم وأملاكهم وروتين عيشهم. و"جيش الدفاع الإسرائيلي" لا ينجح في هذا الاختبار. لا يستطيع الجيش الإسرائيلي الدفاع بشكل مرض (هذا ما يدل عليه رد الفعل المدوي القادم من سديروت) عن حياة وأملاك السكان في وجه السلاح المتوفر لدى الطرف الثاني ـ صواريخ القسام. فإسرائيل لم تعد ذاك المجتمع المؤهل للصمود في وجه الحصار، كما كانت الحال عليه أيام حصار القدس في حرب 1948. وبالنسبة لإسرائيل كهذه، لا يشكل الجيش درعاً واقياً بشكل كاف. "قرصة" القسام تقوض المعنويات في إسرائيل وتشجع الفلسطينيين الذين يعتقدون أن استخدام القوة أفضل من التسوية. والهلع الذي يصيب إسرائيل هو المحفز الرئيسي لهذا النشاط من قبل الطرف الثاني. إن الادعاء الذي يفيد أن الطرف الثاني يستخدم سلاحاً بدائياً، وأنه على هذا الأساس لا يوجد رد على هذا السلاح، يثير دهشة مزدوجة: إذا كان الطرف الثاني يملك سلاحاً أقل تطوراً، فمن المناسب أن تقوم الدولة التي تعتقد أنها تمتلك التفوق التكنولوجي بإيجاد الحل. وإذا كانت الدولة الأكثر تطوراً تمتلك رداً، لكنها لا تستخدم هذا الرد لأن ضرره أكبر من نفعه، فيجب عندها التشكيك بمنطق وجود هذا الجيش ونمط استخدامه. اليمين الإسرائيلي يطالب بالطبع بشن عمليات مكثفة ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، انطلاقاً من فرضية خاطئة تفيد أن هذا الأمر سيكون مجدياً لحل المشكلة. لكن يبدو أنهم نسوا أن الأميركيين في فيتنام أو الاتحاد السوفياتي في أفغانستان أيضا، لم يتمكنوا من القدرة "البدائية" للخصوم، على الرغم من أنهم كانوا يمتلكون السلاح الحاسم، قنبلة نووية. من حسن حظ العالم أن الدولتين العظميين لم تصلا إلى خلاصة تفيد أنه من الأفضل استخدام سلاح "يوم القيامة" وأن المهم هو إيجاد رد عسكري على التحدي الذي يواجهانه، لأنهما أدركتا أن هذا الرد سيجلب عليهما وعلى غيرهما ضرراً اكبر من الضرر الذي يجلبه الخصم المثير للغضب. وكانت الخلاصة في نهاية المطاف مغادرة فيتنام ومغادرة أفغانستان. إن الحماسة الأميركية للدخول في معركة عسكرية بالعراق، كما الحماسة من جانب اليمين الإسرائيلي لاستخدام المزيد من القوة في غزة، تشير إلى الدول أيضاً تعاني من الذاكر القصيرة أو تتعرض لـ"صدمة حماقة". في الوضع الذي لا يتمكن "جيش الدفاع الإسرائيلي" من تأمين الحماية لإسرائيل ـ في مثل هذا الوضع ـ كان يتعين منذ زمن التوصل إلى خلاصة بوجوب إعادة النظر في البقرة المقدسة المسماة جيش، إلى جانب إعادة النظر بكل السياسات المتبعة إزاء المحيط العربي الذي نعيش في داخله. فهذا الجيش يُظهر عجزاً في مجالات أُخرى أيضاً: فهو لا يتسبب فقط بضرر أخلاقي ويمس بصورة إسرائيل من خلال المس بالأبرياء، بل إنه لا ينجح أيضاً في بسط النظام في المناطق التي يحتلها، لا سيما على المستوطنين الذين يخرقون القانون. وفي الوقت الذي وضعت فيه الشرطة الإسرائيلية يدها على مرتكبي العمل الإجرامي في شفاعمرو (حادثة قتل المواطنين العرب للجندي الذي نفذ مذبحة شفاعمرو)، لا يقوم الجيش بمعالجة مناسبة لأعمال القتل العديدة التي نُفذت على يد إسرائيليين ضد فلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة. في مقابل ذلك، يلقون على الجيش مهام من المناسب إلقاؤها على المجتمع المدني ـ اندماج مجموعات وقطاعات منفصلة في المجتمع الإسرائيلي، مساعدة الجهاز التربوي أو تسلية الجموع. وحقيقة وجود وحدات وأشخاص داخل الجيش ناجحين وأصحاب كفاءات، لا تغير من الصورة العامة ـ هذا جيش مهمته الأساسية في السنوات الأخيرة الحفاظ على الاحتلال والدفاع عن المستوطنين بدل الدفاع عن إسرائيل. ومن المناسب أن نضيف إلى هذه المفارقة أنه في اللحظة التي يُستخدم فيها الجيش أيضا لهدف مثل الانسحاب من غزة، لا يذكر له اليمين أي فضيلة ويشكك بشرعيته. إذا كان الأمر كذلك، من الأفضل عدم التشكيك فقط بدور الجيش كحام لإسرائيل، بل يتعين أيضاً إدخال تغيير جذري على نمط البحث عن حل للنزاع القائم. حتى وإن كان البديل عن "استخدام القوة" قد تأخر عن الموعد، فإنه تحديدا بسبب اعتمادنا الكلي على الجيش في الماضي، لا يزال يبدو بأن مواصلة السير على السكة القديمة سيؤدي فقط إلى الحادث الكبير القادم.