إياد أبو شقرا.....الشرق الأوسط

عندما تدبّ فوضى المزايدة اللامسؤولة في كل المواقع وعند السواد الأعظم من التوجهات والتيارات السياسية، كما هو حاصل في لبنان راهناً، يصبح من الظلم اختصار الإدانة وحصرها بما تقترفه أجهزة الإعلام بحق المواطنين.

وهنا أذكر أنني شاركت قبل عدة سنوات في برنامج على إحدى المحطات التلفزيونية العربية الفضائية مع زميل عزيز. ويومذاك قال الزميل رداً على سؤال حول رأيه بمقررات مؤتمر لوزراء الإعلام العرب، إن أفضل ما يمكن أن يحصل للإعلام العربي هو إلغاء وزارات الإعلام.

لأول وهلة، رغم إدراكي مقصد الزميل، باغتني رأيه الحاسم. لكنني منذ ذلك الحين صرت مقتنعاً بأن الإعلام العربي جزء لا يتجزأ من المحنة التي تلم بواقعنا المريض، وبالذات في الأدوار الثلاثة التي يلعبها بصورة خطيرة مدمرة، وهي: التلقين والتضليل والتحريض.

كإعلامي ليس دوري أبداً المطالبة بكمّ الأفواه، ولكنني ـ كإعلامي أيضاً ـ لا يشرفني الانتساب إلى مهنة ما عادت تكترث للموضوعية في السعي إلى الحقيقة، ولا تقيم وزناً للاتزان والمسؤولية، ولا يتردد معظم القيمين عليها في رهن ضمائرهم وأقلامهم وشاشاتهم لأي مرجعية غير المواطن ... المفترض أنه المرجعية الأولى والأخيرة.

لن أتطرق إلى أوضاع الإعلام السياسي «الحكومي» في الدول العربية ذات الحكم الأحادي، لأنني أتحاشى إثارة حساسيات «وطنجية» لا طائل منها. ذلك أن الأنظمة الأحادية حيث الزعيم معصوم عن الخطأ، والحزب القائد يحتكر البصيرة والفضيلة والوطنية وشرف التحرير والصمود و«لعن سنسفيل» العدو (!)، خصّت الإعلام «الإجهالي» منذ فترة طويلة بالأدوار التي أشرت إليها آنفاً، أي التلقين والتضليل والتحريض.

لا.. أنا سأكتفي بلبنان، مثال التعددية الفوضوية المفرطة في حريتها، التي تشكل النقيض المباشر لحالة «إعلام» الأنظمة الأحادية.

خلال الأيام القليلة الفائتة، قرأت مقالة طويلة عريضة لرئيس حكومة لبناني سابق ـ يبالغ في المقالات والتعليقات هذه الأيام ـ يتحدث فيها بأسى عن غياب الرأي العام ... وكأنه للتو اكتشف البارود. وقبله كتب رئيس تحرير إحدى الصحف الكبرى، عارف بـ«البير وغطاه»، مقالة بكائية تساءل فيها عما إذا كانت «الدولة» موجودة أم لا. وطبعاً، كل من يتابع الفضائيات التلفزيونية يلحظ أن غالبيتها فئوية الولاء وكيدية الهوى تسعى إلى تصفية حسابات أسيادها مع خصومهم دون وازع ... تحت حجة الحريات الإعلامية.

الحمد لله، أنا أعيش في بلد اسمه بريطانيا، يستطيع الادعاء أن فيه قسطاً كبيراً من الحرية الإعلامية وبعض أرقى المدارس الصحافية.

ولكن ما يحصل في لبنان، ولعل وضعه أقل سوءاً من أوضاع أشقائه المكبوتين، لا علاقة له بالحرية. فوفق أصول الإعلام الحر، لا تثار ـ مثلاً ـ قضايا جنائية هي قيد التحقيق القضائي. ولا يُمارس القدح والذم من دون أدلة دامغة ... وإلا تتعرض المؤسسة الإعلامية للمساءلة القانونية. ولا تتحول نشرات الأخبار وصفحاتها إلى مصنع للإشاعات السامة والتقول الرخيص، أو منابر للتحريض السافر، طائفياً كان أو شخصياً. ولا تستحيل البرامج التلفزيونية أو الإذاعية المفترض بها أنها حوارية إلى حملات منظمة «أبطالها» ضيوف من لون واحد مهمتهم مساعدة المحاور المستضيف على توجيه الإدانة وتهم الخيانة إلى خصوم الاتجاه الطائفي أو السياسي للمحطة.

في لبنان أصلاً الكثير ... الكثير ... من المعضلات السياسية البنيوية التي تهدّد تطوره كدولة قابلة للحياة، وآخر ما يحتاجه إعلام غبي أو حاقد أو مأجور يدمر أي أمل في المستقبل.