رامي عمران

رأيته مستلبا على طرف قهوة رصيف في أحد أزقة المدينة...... في يده بضع أكياس خضار ينتظرها بيته... وعيناه معلقتان على التلفاز في صدر القهوة يتابع مباراة لمنتخبنا الوطني.

روحه مشتعلة كثائر، وقلبه معلق بالكرة يشتهي منها أي انتصار باسم الوطن.

حنجرته تطلق الآهات كنشيد وطني...ودموع الاعتزاز تجمعت في مقلتيه تأثرا وتيها عندما انتهت المباراة وفاز الوطن... نظر إلى ساعته وأسرع الخطا إلى بيته ليطعم أولاده خضارا وانتصارا... عند زاوية ليست ببعيدة في منتصف الزقاق أراح أكياس الخضار على قارعة الرصيف...أنزل سحاب بنطاله...وبال على أرض الوطن.

في بيته، جلس مع زوجه وأطفاله يتناولون العشاء...ظل ساهما يبحث في زوايا ذاكرته عن مفردات بليغة يحدث بها أطفاله عن الوطن... أجال بناظريه في الغرفة يبحث عن وحي يلهم فيه موعظة تتناسب وحجم الانفعال العاطفي الذي يرجه من أعماقه، فاستلقاه منظر أولاده يتزاحمون على المائدة بجوع ودونما فرح... أشاح بوجهه إلى الناحية الأخرى لئلا يشتت تفكيره فيأتي الوحي ولا يراه... هناك رأى فما منفعلا يجلس على وجه يعرفه حتى قبل أن يولد وبالرغم من أنه كان شاردا عن سماع ما حوله ، لم تخف عنه شاردة من شكواه البائسة... ليس لأنه لوزعي في قراءة الشفاه بل لأن شكوى زوجته راسخة رسوخ بؤس حياته... قرر أن لا ينتظر الوحي الذي ربما كثرت مشاغله بكثرة الأنبياء فأدار التلفاز عله يعطيه طرف خيط لا يفوت عليه فرصة ان يخبر أولاده-أمل المستقبل- ماهية الوطن وروعة وجودنا فيه...

انتفضت خصيتاه غضبا وهو يسمع أحد المعلقين – غير الرياضيين حتى- ينتقص من هيبة الوطن...نظر إلى زوجته وأولاده... رماهم بمفاجأة حنقه... ورفع رأسه باتجاه السقف-السماء ليلوم الوحي على انشغاله... لم يجده، فهرب لينام. في غمرة الليل، نهض بعينيه الجافيتين من سريره...شرع رئتيه المختنقتين لشباك بيته الوحيد... لمح في السماء البعيد شهابا، فقرر أن يعلن أمنية جزلى تتناسب وضخامة احداث يومه... بعد حين ضاق صدره خيبة لأنه لم يجد أي أمنية تليق بهذه اللحظة التاريخية... نظر من الشباك... لعن الوحي الغائب دائما عن عقله ولعن فم زوجته الغاصب لكل مساحات مخيلته.

نهره الهواء القادم من الشمال..فاختبأ من خوفه إلى سريره... ونام بلا حلم.

ربما لآن الأوطان لا يحلم بغدها إلا المواطنون... بينما تتغوط على طرقاتها قطعان الرعية.