يطرح الأستاذ جهاد الزين العديد من الأسئلة "الصعبة والمحيرة" حقاً، ويحرك، في الآن عينه، الكثير من المواجع ومواطن الألم والمرارة لدى المعارضة الديموقراطية السورية، من خلال مقالته الموسومة بـ"سؤال صعب وسؤال محيّر".(•) فقضية الحريات التي ينبغي لها فعلاً أن تعني المجتمع السوري ككل، وأن تكون موضع اهتمامه الأول، من المؤكد أنها لم تحز بعد على القدر اللازم والواجب من الاهتمام، وإن بحدّه الأدنى. ومثل هذا الحكم، مهما بدا قاسياً، فهو في الواقع لا يختص بلحظتنا الحاضرة فحسب (ما بعد اعتقال مجموعة المثقفين من الموقعين على إعلان بيروت - دمشق/ دمشق - بيروت) بل ينسحب ليمتد إلى فترة ما يسمى "ربيع دمشق" في عز ذروتها وازدهارها.

إذ أن تعبير "ربيع دمشق" يبدو مجازياً، أكثر مما يحيل إلى معطيات ودلالات حية وملموسة، خصوصاً حين يكون المقصود منه صلته الحقيقية بقوى المجتمع الفاعلة، أو مجموع النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع السوري، ومدى استعدادها العملي للانخراط الفاعل والجدي في حراك سياسي ومجتمعي يضع نصب عينيه تنفيذ أجندة محددة للإصلاح والتغيير. مهما كان موقف الحكم ودرجة ممانعته أو مقاومته لهذا الإصلاح والتغيير، أما "الحراك" الذي جرى في الواقع السوري، والذي اقتصر أساساً على إقامة منتديات هنا أو هناك، فقد بدا نتاجاً لرغبة مضمرة بالإصلاح لدى العهد الجديد او انعكاساً لها، أوحى بها خطاب القسم الذي سرعان ما تم النكوص عنه.

يمكننا أن نذكر هنا، مثلاً، أن التظاهرات التي نزلت إلى الشارع في دمشق، للمطالبة بالحريات وإلغاء حال الطوارئ والأحكام العرفية لم تتعدَ المئات من الكوادر الفاعلة والناشطين في الأحزاب الديموقراطية ومنظمات حقوق الإنسان، في أحسن الأحوال، أي أنها لم تمثل معارضة ذات بعد شعبي، أو أقله ذات طابع مهني ونقابي. في حين أن القاهرة، على سبيل المقارنة، شهدت خلال العام الماضي والحالي، تظاهرات اتصفت بالطابع الجماهيري حقاً، حيث شارك فيها طلاب ومهنيون، صحافيون ومهندسون وأساتذة جامعات وفنانون والقضاة والمحامون.

ومثل هذا الحراك السياسي المصري، الذي اتسم بالنزول إلى الشارع والتوجه المباشر الى الجماهير، مبتكراً أساليب جديدة ميزّته وميزت بعض القوى السياسية التي بادرت إليه، هو الذي يجدر وصفه بـ"الربيع"، أكثر مما يجدر ذلك بحراك دمشق، الذي لم يتعدّ غالباً سياج البيوت التي كانت تعقد فيها المنتديات، والتي أغلقت في ما بعد.

ولعله كان حرياً بنا القول إنه لم يكن منتظراً من القوى المنادية بالإصلاح والديموقراطية أن تتمكن من اجتياح الشارع السوري بين ليلة وضحاها، بعد إماتة الحياة السياسية الطبيعية في ثنايا المجتمع السوري لردح طويل من الزمن، والكلفة الباهظة التي دفعها ومازال يدفعها المتنطحون للاهتمام بالشأن العام وأوضاع البلد والناس، ما أدى إلى عزوف أجيال بأكملها تقريباً عن الاهتمام بالسياسة، وتالياً "عزلة الديموقراطية وعزلة المثقفين" كما يقول الأستاذ الزين، إلى الحد الذي أضحى فيه الاشتغال بالسياسة، أو الاهتمام بالشأن العام، كفعل جماعي وليس فردياً، أشبه بترف ليس بوسع فئات وقطاعات واسعة من الشعب السوري تعاطيه.

هكذا صار يطلق على المعارضة في سوريا صفة "المعارضة الإلكترونية" تهكماً، وبات التعبير عن الموقف، والرأي في ما يصيب البلاد والعباد، أشبه بمبارزة غير متكافئة بين مثقفين وناشطين سياسيين عزل من جهة، والأجهزة الأمنية والسياسية "الجرارة" للسلطة من جهة ثانية، بينما يقف الجمهور بشكل عام متفرجاً أو متلهياً بشؤونه وشجونه الخاصة. وهذه الحال ليست جديدة في سورية، بل هي مستمرة منذ عقود وخصوصاً منذ بداية الثمانينات وحتى الآن.

يسجل في هذا الصدد عدم توافر المعارضة السورية على خطة أو تصورات استراتيجية لإعادة بناء الذات والنهوض بنفسها من جديد، وكذلك عدم توافرها على خطة أو تصورات استراتيجية لتعاملها وتعاطيها سواء مع النظام القائم، أو مع القطاعات المجتمعية، (شباب، عمال، مهنيون، المرأة)، والقضايا التي تشغل تلك القطاعات وتأخذ الحيز الأبرز من اهتمامها (انظر مثلاً ظاهرة "الإسلاميات القبيسيات" اللواتي يقدرن بعشرات الألوف في دمشق وحدها).

ويسجل هنا أيضاً أن السلطة السورية غالباً ما نجحت بسحب المعارضة إلى ساحتها وملعبها الخاص الذي تتقن فيه كل الأساليب والأدوات الاتهامية والتخوينية والتجريمية، تحت يافطة مؤامرات الخارج والضغوط التي يتعرض لها الوطن. الخ. من دون إيلاء الاهتمام اللازم بقضايا مثل التنمية والخدمات والبطالة والحاجات الأساسية لحياة المواطن.. في وقت تبدو فيه الغالبية الساحقة من الشعب السوري مشغولة بتأمين قوتها واحتياجاتها اليومية، ومهتمة بارتفاع الأسعار أكثر من اهتمامها بأي شيء آخر. هذا فضلاً عن النزوع للتعاطف مع التيارات الإسلامية (خصوصاً المتطرفة منها) لدى كثير من فئات الشعب السوري. أي أن الديموقراطية لا تشكل شاغلاً جدياً لها، إن لم نقل أنها تقف على الضد منها تماماً لاعتبارات عقيدية وسياسية مختلفة.

وعموماً، فإن ما ينطبق على المجتمع السوري هنا، هو حالة نموذجية عن المجتمعات التي مرّت بعهود طويلة من الاستبداد والفساد، إذ لا يعود الاحتجاج الجماهيري يأخذ صفة النمو والاتساع التدريجي، كما تحدث عنه مفكرو الماركسية ورموزها مثلاً، بل يأخذ غالباً طابع "الانفجار الفجائي" المرتبط إما بانهيار السلطة لسبب ما، أو بضعف شديد لقبضتها الأمنية، أو بتظاهرات جوع على خلفية الفقر وارتفاع الأسعار، كما حصل في غير بلد عربي.

إذن، فالأمر لا يتصل بحساسية المجتمع السوري تجاه مسألة الاستقرار بقدر اتصاله بواقع الخوف والخضوع والهيمنة. وهي الأسباب ذاتها التي تدفع كثيرين للإعراب عن تخوفهم وخشيتهم من نزوع(...) يشرّع الباب أمام احتمالات الحرب الأهلية (لنلاحظ الدور الذي يمكن أن تلعبه "جبهة الخلاص" بين الإخوان وخدام في هذا الخصوص).

ذلك أن النظام قد دمّر وأنهى أي تمثيل سياسي شعبي، بما في ذلك أي تمثيل سياسي للبورجوازية السورية، بمختلف مكوناتها وشرائحها، وهو ما يحدو بالغرف التجارية والصناعية لأن تلعب دور الممثل السياسي غير المباشر، أو الالتفاف والتحايل.

أما لماذا تتوجس السلطة السياسية من المثقفين السوريين وتعاقبهم على الرغم من كونهم محدودي التأثير في المجتمع، فمثل هذا السؤال يندرج في إطار عشرات الأسئلة التي يمكن طرحها ولا نعثر على أجوبة لها تنتمي إلى حقل العقل والمنطق. ومع ذلك فقد نجد جزءاً من ضالتنا إذا تفحصنا "الرسائل" التي انطوت عليها الاعتقالات الأخيرة. ومنها: دخول هؤلاء المثقفين إلى منطقة محرمة في نظر السلطات، وهي العلاقات السورية ـ اللبنانية. ومحاولة إفهام الجميع أنه لم يعد مرغوباً بأي صوت معارض، مهما كانت مرونته وديبلوماسيته، فمثقف مثل ميشال كيلو يعد في نظر كثيرين رمزاً للاعتدال والمرونة في صفوف المعارضة الضعيفة والمشتتة أصلاً، وكل ذلك تعرفه السلطة أيضاً!

وكل ما سبق لا يمثل إلا غيضاً من فيض المعضلات والمشاكل التي تعاني منها هذه المعارضة، والتي لا يتسع المجال للخوض فيها الآن، وتحتاج إلى بحوث ودراسات.